ما تبقّى من الأمن القومي للخليج العربي

نلحظ هنا كيف فشل العمل الجماعي لمجلس التعاون الخليجي، وأصبح واقعه في الحضيض في التقييم السياسي والدبلوماسي.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/kpjVDw
الاثنين، 06-09-2021 الساعة 15:15

تطورات واسعة تشهدها الساحة الخليجية اليوم منذ اتفاق العُلا، الذي أعلن طي صفحة الصراع في الأزمة الخليجية، ويُلاحظ هنا أمرٌ في غاية الأهمية؛ وهو أن الجسور مع الدوحة تستمر بصورة فردية لكل أعضاء المحور، ومن ضمنهم مصر، وهذا لا يعني أن قطر لم تقدم تنازلات لتفاهماتها وتجاوز الأزمة، ولكنها تنازلات متبادلة، خرجت كلياً عن نطاق المشارطة التي انتهجتها دول المحور منذ بداية الأزمة.

كما أن التقارب السعودي القطري بات يقفز إلى مستويات أوسع، ولم يعد الموقف مرتبطاً بالتنسيق السعودي الإماراتي، الذي تراجع حالياً وصارت علاقة الرياض في مستوى مجلس التنسيق الأعلى مع الدوحة، كما أن الإمارات العربية المتحدة بادرت إلى تسجيل موقف جديد في الاعتراف بالحضور القطري، ومحاولة اللحاق بقطار التنسيق المشترك، من خلال زيارة الشيخ طحنون بن زايد، المسؤول الأمني ومبعوث ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، وتغريدة حاكم دبي ورئيس الحكومة في الدولة.

إذن الواقع اليوم يتجه إلى صيغة علاقة جديدة، تقوم على تقدير المصالح البينية لكل دولة، ونلحظ هنا كيف فشل العمل الجماعي لمجلس التعاون الخليجي، وأصبح واقعه في الحضيض في التقييم السياسي والدبلوماسي، من خلال تفعيل أعضائه لجسورهم منفردة مع قطر، بعد أن استُخدمت مظلة المجلس للتصعيد على الدوحة، وهو ما يعني اعترافاً مهماً بخطيئة الموقف والتوظيف، بعثت به الرسالة الأخيرة للدول الأعضاء ذاتها.

وبغض النظر عن الخلاف السعودي الإماراتي، الذي يصعد على السطح، في مقابل تطور علاقات الرياض مع الدوحة ومع مسقط، فإن هذه الظاهرة الجديدة في الانقسام يُفترض أن تُعالج ولو بالحد الأدنى في قضايا الأمن القومي، وخاصة المحيطة بالخليج العربي، رغم الفشل الذريع والتورط الذي استنزف المنطقة من السياسات السابقة. ويُراجع في هذا السياق موقف مصر الجديد، التي تعيد نسج علاقاتها مع تركيا، ومع أعضاء المجلس بصورة مختلفة من نسخة الأزمة الخليجية، فكيف بدول المجلس ذاته؟

إن أول ما يُشار إليه في هذا الصدد هو أهمية التنبه لهذه الدول الست في التعامل مع الأمن الوطني والأمن القومي، والخروج من فكرة المواجهة للعمل الإصلاحي ومواجهة المطالب الديمقراطية والإصلاحية، بدعوى أنها من أعمال الأمن القومي لكل دولة، ويكفي هنا حجم الازدواجية التي مورست في الزمن السابق، والاتهامات المجنونة التي جمعت أرشيفها المخابرات الغربية، والمخابرات الإيرانية وغيرها، لابتزاز دول المجلس ولوضع خطط تمكين لمصالحها، على حساب هذا الأمن القومي ذاته.

فقلب لغة الخطاب وتغيير التموضع الذي نراه في تعبير أطقم هذه الدول الإعلامية يُشير في الحقيقة إلى تلك العبثية التي أُديرت بها الأزمة، ومن ضمنها استخدام بعض مواطني كل دولة لاتهام الدولة الأخرى، بدلاً من أن تقوم كل دولة بما عليها من الاحتواء الوطني للإصلاحيين، ومن قيادة سياستها مع القُطر الخليجي الآخر، من خلال ذات مسطرة المصالح التي عادت لها بدلاً من التوجه إلى صراعها، واستخدام قدرات الدولة وثروتها، للإضرار بهذه الدولة أو تلك.

ولا يمكن أن تُبنى أي قاعدة اتفاق للأمن القومي اليوم، ولو بحده الأدنى، دون الرجوع إلى هذا الإرث السيئ الأخير، الذي وُزع على رقعة كبيرة من العالم تطوعاً، ولملمة ملفاته وتصحيح لغته السياسية والسلوكية فيه. وإصرار دول الخليج على حصار المشاركة الشعبية والتقليل من فرصها باسم الأمن القومي هو في الحقيقة أكبر عوامل هذا المأزق، بل المقدمات للكوارث الوطنية، في ظل الحروب والانهيارات الإقليمية والعالمية التي تزحف على منطقة الخليج العربي، وإن كان ذلك لا يُلغي إيجابية بعض المحاولات والهامش الديمقراطي الذي تعيشه بعض دول المنطقة.

فإذا كانت بعض دول المجلس اليوم، تُصحح موقفها بناءً على خسارة التجربة السابقة، فلماذا لا توسّع نظرتها الاستراتيجية نحو الداخل القومي القُطري، لإعلان مصالحات وطنية وحقوقية، هي أقوى أساس لتحقيق قدرات الأمان الاستراتيجية؟

Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة