كيف صارت حانة اليوناني استاد كرة؟!

صارت بلادنا المحتلة وشعوبنا المهزومة تعرف من خطط الكرة ما لا تعرف شيئاً منه من خطط الحرب، وتعرف من أسماء اللاعبين ما لا تعرفه من أسماء المحاربين!

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/gRPyvZ
الأربعاء، 10-07-2019 الساعة 10:21

منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين كانت مصر في واحدة من أشد لحظاتها بؤساً ومرارة، كانت أسرة محمد علي قد فتحت أبواب مصر للأجانب حتى صار لهم فيها السيادة العظمى، وصار الشعب عندهم كالعبيد، وكان الشحاذ في أوروبا يتعلق بالسفينة السائرة إلى مصر في رحلة هجرة غير شرعية محفوفة بالمغامرة، فإذا وصل إلى الشواطئ المصرية وجد البلاد تفتح له ذراعيها وتقدم له أبناءها عبيداً وجواري!

كان الأجانب يهيمنون على السياسة والاقتصاد والقانون، قصر الخديوي حافل بالأجانب، الهيئات الحكومية الكبرى وقادة الجيش وبعض الوزارات يتولاها الأجانب، امتيازات المشاريع تأتي بقروض أجنبية ويتولى تنفيذها أجانب ويسخرون فيها العمال المصريين كعبيد ثم يجنون أرباحها، والنظام القانوني في مصر كان محاكم قنصلية ثم مختلطة يهيمن عليها الأجانب، ما على الأجنبي إلا أن يفتعل مشكلة مع أي مصري، فيسحبه إلى محكمة قنصيلة بلاده فتقضي له المحكمة بما شاءت من أموال المصري وعقاراته، وبهذا يفتقر المصري ويغتني الأجنبي.

سنأخذ من بين هذا المشهد كله مشهداً واحداً متكرراً..

شحاذ يوناني أو مالطي أو غير ذلك، غامر بنفسه في البحر حتى وصل إلى مصر، وجد طريقه إلى قرية أو مدينة ما، فتح فيها حانة خمر وقمار، استجلب فيها راقصة أو عاهرة (ولا بأس أن تكون ابنته أو أخته أحياناً)، يأتيه الفلاح أو العمدة أو ما بينهما، يسكر ويشرب ويطرب ويلعب، فينزف أمواله بالقمار أو بالخمر أو لعيون الفتاة اليونانية المليحة المتحررة، فإن كان فلاحاً لا يقوى على سفك المال دفعة واحدة فهو يشرب ويطرب ويقترض بالربا الفاحش.

وفي غضون سنوات يتحول الشحاذ اليوناني إلى مركز تدوير المال في القرية، ويمكنه أن يُقرض الأعيان بالربا، ثم في مرحلة لاحقة يستولي على أطيانهم ودورهم إن لم يستطيعوا السداد، والقانون في صفه والشرطة في خدمته!

لنترك كل هذا المشهد ولنركز في مشهد الفلاح الفقير.. يبدو مثيراً للاشمئزاز أن ينفق الفلاح الفقير أمواله في الخمر والقمار حتى بعد يومه الطويل المنهك الحافل بالكدح والمرارات، ويصعب أن تجد من يدافع عن فعله هذا بأنه حق له في اللذة والراحة والغياب عن الهموم. وذلك أن العزم فيمن كان هذا حاله أن يكبح جماح شهوته ويمسك زمام نفسه ليحول نفسه بتوفير هذه الأموال التي حصَّلها بالعذاب في تغيير حاله وحال أولاده. هكذا يقول داعي العقل إن لم يكن داعي الدين!

هذا المشهد السابق يتكرر في مصر الآن، لكن مع تعديل طفيف وغير مؤثر في المشهد العام..

الهيمنة الأجنبية على مصر لا تخطئها العين؛ البلد حافلة بالأجانب في مواقع شديدة الحساسية، ومن الوزراء من هو مزدوج الجنسية، الشركات الأجنبية تملك نصيب الأسد من حصة الأسواق، بما في ذلك الشركات التي تبدو بأسماء وطنية ولكن أسهم ملاكها تشير إلى حقائق أخرى، بل إن عقود الحكومة مع الشركات الأجنبية والتي تتم في السر محصنة من المحاسبة بقانون أقره برلمان السيسي في أول دورته التشريعية، وهذا قانون شراء الجنسية المصرية بعشرة آلاف دولار سيأتينا بموجة من الأجانب يدفعون هذا المبلغ التافه لا حباً في مصر ولكن حباً في التمتع بخيراتها.

وكذلك القانون والقضاء لم تعد به شبهة استقلال لا سيما بعد التعديلات الدستورية الأخيرة التي تضعه كله في جيب السيسي، على أن هذا القضاء نفسه حين كان يبدو مستقلاً كان يُضرب به عرض الحائط وقد أُفرج عن جواسيس رغم أنف الحكم القضائي أيام مبارك، وجاءت طائرة نقلت محكومين أجانب إلى بلادهم أيام مجلس طنطاوي العسكري، ويكفينا أن نذكر ماذا حدث لقضية وقاضي تيران وصنافير.

المشكلة أننا نحتاج أن نذكر بعض التفاصيل لأن الصورة الحاضرة أكثر تشوشاً وغبشاً من صورة الماضي، لأن التزوير ينصبّ على الحاضر بفعل التضليل الإعلامي والمجهود الثقافي، بينما ذهب رجال الماضي وتزويرهم وبقيت الحقائق لا تحتاج كثيراً من ذكر التفاصيل.

لكن الذي يهمنا الآن من هذه الصورة، وهو مقصود المقال، هو تكرر ذات الصورة: صورة الفلاح الفقير المنهك الذي تواطأت عليه السلطة والقوانين والأجانب، وهو يذهب فينزف ماله في حانة اليوناني متمنياً أن يحظى بنظرة الإعجاب من ابنته الفاتنة!

هذه الصورة ذاتها تتكرر أيضاً، تفعل الشعوب الفقيرة المقهورة ذات هذا السلوك، حين تهلك ما بقي من طاقتها في متابعة كرة القدم، متابعة مجموعة من المليونيرات يلعبون بالكرة، إن انتصروا زادت أرصدتهم وإن انهزموا لم تنقص. يهلك الناس أعصابهم وأموالهم وأوقاتهم وطاقتهم وحماستهم في الصراخ على هذا أو ذاك، يفرح لهم أشد ممَّا يفرحون لأنفسهم ويحزن عليهم أشد ممَّا يحزنون على أنفسهم!!

لن نسأل الآن لماذا؟ إذ لا يُسْأل المخمور السكران عن أفعاله حال سكرته.. لكن المثير للدهشة والاشمئزاز معاً، أن يخرج متفلسفون يتحدثون عن هذا المشهد باعتباره الحق في اللذة والخروج من الهموم ونسيان الأحزان ولو لساعتين، ربما يصلح هذا كنوع من التفسير لكن لا يصلح أبداً كنوع من التبرير، يمكن أن يُقال على سبيل الوصف والقراءة: إنهم يفعلون هذا لهذا السبب، لكن لا يصح بحال أن يقال: دعوهم وارحموهم وكفوا ألسنتكم عنهم واتركوهم فليتمتعوا هذه الدقائق المعدودة!

هذا ما لم أعرف أنه قيل لفلاح فقير يرتاد حانة اليوناني على سبيل الجدّ، ويبدو أن الفلاحين القدماء كانوا يفتقدون لفلاسفتنا المعاصرين!

لست مهتماً هنا بلوم محبي الكرة أو معاتبتهم أو تقريعهم، بل مهتم بهدم هذا البناء الفلسفي المتهافت الذي يتحدث عن حق المقهور في أن يستمر سكران مخموراً ذاهلاً عمَّا يراد به ويراد له، ولئن كان يمكن التماس العذر لعاشق الكرة فهو كالتماس العذر للمذنب المخطئ المنصرف عن رشده إلى اللهو، هو نوع من الشفقة والتعاطف وليس أبداً إقراراً له أو رضا بما يفعل.

كرة القدم يستعملها الطغاة في تخدير الناس وإلهائهم، لا سيما حين يسبغون على مباراة الكرة معنى الملحمة الوطنية وعلى اللاعبين سمات البطولة. هذا تخدير يجب على كل عاقل أن يقاومه، والهزيمة في كل مباراة هي حقيقة نصر ووعي ويقظة لعموم الناس، وإنا لنسأل الله من فضله أن يزيد في هزائمنا الكروية لتقل جرعات المخدر اللذيذ الذي يصرف طاقتنا عمّا هو واجب وعمَّا هو أولى.

وليس فرقاً أن يكون اللاعبون مجموعة من الساجدين أو مجموعة من المنحلين أخلاقياً، الفارق هنا ليس كبيراً، ربما هو كالفارق بين أن يقدم اليوناني في حانته خمراً معتقة أو خمراً مغشوشاً، كلاهما خمر في نهاية الأمر!

ولو أن يونانياً في ذلك الزمن بعث في زماننا هذا، لما فكّر في أن يتخذ له حانة، بل لاتخذ له ملعباً وفتح إلى جواره فضائية تعمل أربعاً وعشرين ساعة في التحليل الكروي.. لقد صارت بلادنا المحتلة وشعوبنا المهزومة تعرف من خطط الكرة ما لا تعرف شيئاً منه من خطط الحرب، وتعرف من أسماء اللاعبين ما لا تعرفه من أسماء المحاربين، ومن سياسات المدربين ما لا تعرفه من سياسات الأمن القومي!

وحين يستفيق الفلاح على استلاب أرضه وداره، سيجد زميله الفيلسوف يحاول أن يخترع له نظرية أخرى تسكره جيلاً آخر!

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة