صراع الطاقة المحموم في شرق المتوسط .. كيف بدأ؟ وإلى أين يتجه؟

تشير التقديرات إلى أن حوض شرق المتوسط يحتوي على 1.7 مليار برميل من النفط، وما يزيد على 3.5 تريليونات متر مكعب من الغاز، أي ما يعادل استهلاك دول الاتحاد الأوروبي من الغاز 76 سنة.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/kkPAo9
الخميس، 03-09-2020 الساعة 20:40

سفن تنقيب استكشافية مصحوبة بسفن حربية، تقابلها من الجهة الأخرى استعدادت بحرية ومناورات عسكرية، تهديدات وتصريحات وتصعيد يشي بأننا على أعتاب حرب جديدة على موارد الطاقة، ولكن هذه المرة ليست في العراق ولا إيران، بل هناك؛ على تخوم أوروبا وشرق المتوسط تحديداً! فما هي قصة هذا الصراع؟

إن الاهتمام بمنطقة شرق المتوسط كمورد للطاقة ليس وليد اللحظة أو السنوات القليلة الماضية، بل يرجع تاريخ الاكتشافات إلى سبعينيات القرن الماضي على السواحل المصرية، تلك الفترة اتسمت بالهدوء وقلة الاكتشافات، ولكن مع تطور تكنولوجيا التنقيب وانخفاض التكاليف، عاد الاهتمام بهذه المنطقة مع بداية الألفية الجديدة باندفاع وحماس كبيرين، فكانت البداية في سنة 2000 من حقل "غزة مارين"؛ حيث بدأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي التنقيب في هذا الحقل الذي يقع فعلياً ضمن مناطق السلطة الفلسطينية، ولكن من اغتصب دولةً بأكملها لا يستعصي عليه أن يسلب حقلاً غازياً تصل تقديراته إلى 30 مليار متر مكعب، وفي 2009 أتبعه بحقل "تمار" باحتياطات تصل إلى 280 مليار متر مكعب، ثم حقل "ليفياثان" المتنازع عليه مع لبنان في سنة 2015، الذي بدأ فعلياً الإنتاج مع نهاية 2019.
هذه الاكتشافات شجعت دول الجوار على الجري لأخذ حصتها من هذا الحوض الغازي الضخم، فأطلقت قبرص عمليات الحفر في حقل "أفروديت" في 2011، تبعتها مصر التي اكتشفت في عام 2015 حقل "ظهر" باحتياطات ضخمة تقدر بـ850 مليار متر مكعب من الغاز. 

وتشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن حوض شرق المتوسط أو ما يعرف بحوض الشام يحتوي على 1.7 مليار برميل من النفط، وما يزيد على 3.5 تريليونات متر مكعب من الغاز! أي ما يعادل استهلاك دول الاتحاد الأوروبي من الغاز مدة 76 سنة.
ولا شك أن هذه الأرقام كفيلة بإسالة لعاب الدول المتعطشة لمصادر الطاقة، مثل دول الاتحاد الأوروبي وتركيا ومصر، وحتى دولة الاحتلال الاسرائيلي التي تمثل لها هذه الاكتشافات نقلة كبيرة وتحرراً من الاعتماد على واردات الغاز المصري وغيره، بل ستمكنها من أن تكون دولة مصدرة للغاز.

وهذا ما تُرجم في مشروع "خط غاز شرق المتوسط" أو (East-Med pipeline)، الذي يهدف إلى نقل (10 ميارات متر مكعب) من الغاز سنوياً من حقلي "ليفياثان" و"أفروديت" إلى أوروبا مروراً بقبرص واليونان، عبر خط أنابيب يمتد تحت سطح البحر مسافة 1900 كيلومتر وبعمق 3 كيلومترات، وهذا ما يفسر التكلفة العالية لهذا المشروع والمقدرة بقرابة 6 مليارات يورو! وهذا الخط يمثل نقلة استراتيجية مهمة للاتحاد الأوروبي للتحرر -ولو نسبياً- من الاعتماد على واردات الغاز الروسي. 

هذه التحركات بلا شك أغضبت الجار التركي، الذي يرى أنه تم إقصاؤه عمداً من هذا المشروع بل ومن الاستفادة من هذه الموارد الغازية الهائلة المتاخمة لحدوده، وما زاد من الغضب التركي هو تأسيس (منتدى غاز شرق المتوسط) أو ما عرف (بأوبك شرق المتوسط)، بعضوية كل الدول؛ من مصر إلى الاحتلال الاسرائيلي والأردن والسلطة الفلسطينية وقبرص واليونان وإيطاليا بل وحتى فرنسا وأمريكا (الأخيرة كعضو مراقب)، ولكن باستثناءٍ وإقصاء واضح لتركيا! التي بادرت وبخطوة استباقية غير متوقعة إلى القفز إلى الضفة الأخرى، فوقعت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الليبية، مما يعني قطع الطريق على خط أنابيب "شرق المتوسط"! في المقابل ورداً على هذه الخطوة سارعت اليونان ومصر إلى ترسيم الحدود البحرية بينهما، وهذا يعني أننا أمام خطين حدوديين متقاطعين، أو قل إذا شئت أمام قنبلة موقوتة تنتظر من يدوس عليها! ولكن أليس هنالك اتفافيات دولية تنظم مسألة الحدود البحرية بين الدول؟

نعم؛ هنالك "معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982"، التي تقضي أن الحدود المائية لكل دولة تمتد مسافة 200 ميل بحري من حدودها البرية كما تحدد "المناطق الاقتصادية الخالصة EEZ" لكل دولة، وبالنظر إلى الدول الموقعة على هذه الاتفاقية نجد أن جميع دول شرق المتوسط صادقت على هذه الاتفاقية باستثناء تركيا ودولة الاحتلال الإسرائيلي، وهذا ما يزيد الأمور تعقيداً في هذا الصراع البحري، فتركيا رغم سواحلها الطويلة على المتوسط فإنها محاصرة بمجموعة من الجزر اليونانية الصغيرة، بالإضافة إلى جزيرة قبرص التي تبعد عنها 45 ميلاً فقط! وتعول تركيا على "جمهورية شمال قبرص التركية" لزيادة امتدادها البحري في هذا النزاع والوصول لنصيبها من غاز  المتوسط، لذا أرسلت مؤخراً سفن التنقيب "الفاتح" و"ياووز" وغيرها محاطةً بالسفن الحربية للمياه المحاذية لغرب قبرص التركية، وفي المنطقة التي تتنازع عليها اليونان وتعتبرها ضمن مياهها الإقليمية.

ورغم اعتراض اليونان والغرب على استخدام تركيا للقوة العسكرية في حماية عمليات التنقيب، فإننا نجد نفس الدول تغض الطرف عن دولة الاحتلال الاسرائيلي التي تستولي بالقوة على حقل "غزة مارين" الواقع ضمن حدود السلطة الفلسطينية، فضلاً عن حقلي "ليفياثان" و"تمار"، اللذين تعتبرهما لبنان ضمن جرفها المائي، وتقدمت بطلب رسمي للأمم المتحدة في 2011 لإيقاف عمليات التنقيب والحفر الإسرائيلية، فكان الرد الإسرائيلي بإرسال السفن الحربية لفرض الأمر الواقع، وهدد وزير دفاعها، في صيف 2012، باستخدام القوة الجوية إن لزم الأمر لحماية حقول الغاز! ولم تنبس اليونان ولافرنسا ولا الاتحاد الأوروبي بينت شفة على هذه التحركات العسكرية في نفس المياه ولنفس الحقول التي تلوح فيها اليوم بالقوة العسكرية في وجه تركيا.
فهل ستشهد المنطقة مزيداً من التصعيد والتأجيج؟ أم ستغلب دول شرق المتوسط منطق العقل والتفاهم لحل هذا النزاع الجيوسياسي المعقد؟!

Linkedin
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة