تربية أجيال المستقبل على الحرية

النضال من أجل الحرية نضال طويل لا ينهض به جيل وحده ولو استكمله جيل وورثه جيل جديد لا يعرف قيمة الحرية فقد يخسر هذا الجيل الجديد الحرية من جديد.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/kpv14d
الخميس، 30-09-2021 الساعة 17:00

لقد خلق الله الناس أحراراً، أمرهم بتوحيده وعبادته، ومنحهم حرية الاختيار بين العبودية لغير الله وبين التحرر من جميع أصناف العبودية والإيمان بالله وحده طوعاً ودون إكراه {لا إكراه في الدين}، فجاءت أنظمة القمع لتصادر حرية الاختيار وتفرض العبودية للأصنام البشرية فرضاً بمختلف الأساليب القسرية.

وفي هذا السياق أخذت التربية على الحرية في ديننا العظيم مكانة سامية؛ لأن الحرية قرينة التوحيد، والتوحيد هو جوهر الدين الذي يفرض على المسلم التحرر من جميع مظاهر الشرك والخوف والعبودية لغير الله.

لقد أودع الله في الإنسان فطرتي الحرية والعبودية؛ حتى يوجه فطرة العبودية لله وحده وينتصر لحريته، ولكن الإنسان معرض بصورة مستمرة للانحراف عن التوحيد إلى الوثنية والعبودية لغير الله، ولذلك فإن التربية على الحرية يجب أن تبدأ من مرحلة مبكرة، وأن تستمر برامج التعلم الذاتي والمستمر ليتعلم الإنسان كيف يتجاوز الظروف التي تحاول سرقة حريته، أو أن تفرض عليه أنماطاً جديدة من العبودية، أو تحاول تدجينه وترويضه للحياة في مجتمع القمع، وتقايضه بحرياته الحيوانية لتسلبه حرياته الإنسانية، فتمنحه الحرية لتلبية الغرائز السفلى، وحرية الانحراف، وتصادر عليه حريات المشاركة في صناعة مصيره وإدارة الشأن العام والرقابة على ثروات الأمة والتصرف في مصالحها، وحريات الدفاع عن هويته وكرامته وقضايا أمته العادلة.

ومنها حريات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومقاومة انتهاكات حقوق الإنسان، وسرقة ثروات الأوطان. ومن هنا يأتي دور التربية على الحرية الحقة لتحرير الإنسان من مظاهر العبودية المتعددة، وتمحيص العبودية لله وحده.

النضال من أجل الحرية نضال طويل لا ينهض به جيل وحده ولو استكمله جيل وورثه جيل جديد لا يعرف قيمة الحرية فقد يخسر هذا الجيل الجديد الحرية من جديد؛ لأنه لم يعرف ضريبة الكفاح الطويل من أجل الحرية، وفي ظل هيمنة أنظمة القمع في معظم الدول العربية على مؤسسات التربية والتعليم الرسمية فإن المراهنة على المدرسة في تربية الأجيال على الحرية مراهنة عبثية، فكما يقول فيلسوف التربية على الحرية باولو فريري: "لا يوجد تعليم محايد، والتعليم إما أن يكون سلاحاً لتحرير الطلبة من التسلط والعبودية أو وسيلة لتدجين الطلبة في بيئة التسلط والقمع"، ولذلك فالمرجح في ظل أنظمة الاستبداد أن يتحول التعليم إلى وسيلة لتكريس أخلاق العبودية والخضوع والاستسلام والتنازل عن الحريات المتعلقة بالشأن العام، واستبدالها بحرية الركض وراء الشهوات والأهواء التي تسهم في صرف اهتمام الناس عن القضايا العامة.

التربية على الحرية في غياب دور المؤسسات التربوية يجب أن تبدأ من المنزل، وأن تتحول إلى تربية أسرية مستمرة، وعلى أساسها نبني ثقافة المسؤولية والشخصية القوية القادرة على الاستقلالية والقادرة على مشاركة الآخرين.

وتأتي الحاجة إلى التربية الأسرية على الحرية عندما ندرك أن أغلب المظاهر التسلطية التي تسود مجتمعنا موجودة بصورة أو بأخرى في النمط التربوي العائلي في مجتمعاتنا نتاج تراكم قرون من الاستبداد والتسلط وغياب قيم الشورى، وهذا الغياب هو الذي قتل فاعلية الأمة وقتل روح الإبداع حتى فقدنا الريادة الحضارية، ووقعنا في براثن التخلف وهيمن علينا الاستعمار.

وواجبنا اليوم أن نبدأ بتربية أبنائنا على الحرية والكرامة، وأن نعيد النظر في أساليب التربية التسلطية، وأن نتوقف عن أساليب العقاب التقليدية، وأن نبحث عن البدائل لأساليب العقاب، ونعمل على تشجيع الأبناء على الإبداع والابتكار والتحرر من الخوف والمبادرة وتحمل المسؤولية والاستقلالية والكرامة، واحترم حريات وحقوق الآخرين.

والتربية الأسرية على الحرية والشورى ليست مجرد تربية نظرية، ولكنها تربية عملية نمنح فيها الأبناء حرية الاختيار، ونمكنهم من المشاركة الفاعلة في القرارات المتعلقة بإدارة المنزل وأمورهم الشخصية، وأن يشعر الأبناء بالأمان والطمأنينة والسلام الداخلي، مع الإيمان بالمسؤولية وقدرة الذات على تحقيق الطموحات والتربية على مواجهة التحدي وعدم الاستسلام.

Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة