اللعبة الكبرى.. غاز المتوسط إلى أين؟

تبحث هذه الورقة حجم التقديرات المتعلِّقة بالثروات الموجودة في حوض شرق البحر المتوسِّط، وأبرز الخلافات الناشئة والمتفاقمة إزاء هذا الأمر، ودور القُوى الدولية، وعسكرية التنافس، والسياسة التركية.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/zBMbn2
الخميس، 26-12-2019 الساعة 14:35

في بداية العقد الماضي، كان هناك اعتقاد سائد مفاده أنَّ ثروات النفط والغاز التي يكتنزها حوض شرق البحر المتوسِّط، كفيلة بإنتاج تحوُّل جيو-سياسي وجيو-اقتصادي في المنطقة، يؤدِّي إلى سلام شامل وازدهار اقتصادي يتخطَّى أثره البلدان المعنية إقليمياً ودولياً.

لكن مع ازدياد الخلافات بشأن ترسيم الحدود البحرية، وكيفية تقاسم الثروات المكتشفة فضلاً عن إمكانية استثمارها وتصديرها إلى الخارج، معطوفةً على التحوُّلات التي شهدتها المنطقة خلال العقد المنصرم، وتشكُّل سياسة محاور إقليمية ودولية لدعم أطراف بعينها على حساب أطراف أخرى انطلاقًا من المواقف السياسية، أصبح هذا التصوُّر بعيدًا عن الواقعية.

وعلى الرغم من أنَّ الاكتشافات المتزايدة للثروات في حوض شرق البحر المتوسِّط لا تزال تمتلك إمكانية إحداث تحوُّلات داخلية في البلدان المعنية، فإنَّ تحوُّلها إلى مادَّة للنزاع الداخلي والإقليمي والدولي، فضلاً عن تحوُّلها إلى سبب في زيادة التوتُّرات السياسية والأمنية، قد يُفضي في مرحلة من المراحل إلى الصدام بدلاً من التعاون.

ومن هذا المنطلق، تبحث هذه الورقة حجم التقديرات المتعلِّقة بالثروات الموجودة في حوض شرق البحر المتوسِّط، وأبرز الخلافات الناشئة والمتفاقمة إزاء هذا الأمر، ودور القُوى الدولية، وعسكرية التنافس التجاري شرق المتوسِّط، علاوةً على السياسة التركية في التعامل مع سياسة فرض الأمر الواقع في هذه المنطقة ومحاولات عزلها، والمسار الذي من الممكن أن تُفضي إليه التطوُّرات.

ثروات حوض شرق البحر المتوسِّط:

في عام 2010، أجرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية تقديرات لما يحتويه حوض شرق البحر المتوسِّط من ثروات طبيعية، وخرجت بنتيجة مفادها أنَّ الساحل الشرقي الذي يشكِّل القسم الأكبر من حوض شرق البحر المتوسِّط، يحتوي على كمِّيات هائلة من احتياطي النفط والغاز غير المكتشَفة، تُقدَّر بقُرابة 122 تريليون م3 من الغاز، و1.7 مليار برميل من النفط[1].

وتضمُّ هذه المنطقة سواحل دول تركيا وسوريا ولبنان وفِلَسطين وإسرائيل وقبرص ومصر. وإذا ما استثنينا مصرالتي امتلكت كمِّيات من الغاز قبل أن تتحوَّل لاحقًا إلى مستورد له أيضاً، فيمكن ملاحظة أنَّ باقي الدول قد اعتمدت تقليديًّا بشكل أساسي على استيراد الطاقة من الخارج، وغالباً ما شكَّل ذلك -ولا يزال يشكِّل- عبئًا عليها من ناحيتين على الأقلّ:

الأولى هي أمن الطاقة لديها، إذ يُستورد النفط أو الغاز من عدد محدود من الدول، ما يجعلها رهينة لخِيارات سياسية ضيِّقة، مع إخفاق في تنويع مصادر الطاقة لديها.

أمَّا الأخرى فتتمثَّل في الأمن الاقتصادي، إذ يشكِّل استيراد النفط والغاز عبئاً مالياً عليها وعلى مواطنيها، غالباً ما يصبح مشكلة مستعصية إثر التصاعد المستمرِّ في أسعار النفط والغاز، مع ما يستتبعه ذلك من مشكلات أو انعكاسات اقتصادية على موازنة الدولة وعلى بقية القطاعات.

وحدها إسرائيل استطاعت الخروج من هذا الواقع، لا سيَّما مع اكتشافات الغاز الضخمة التي سجَّلتها قبالة سواحل فِلَسطين في الفترة ما بين 2009 و2014، وتحديدًا في حقل ليفياثان المقدَّر احتواؤه على 620 مليار م3 من الغاز، وحقل تَمار المقدَّر احتواؤه على قُرابة 280 مليار م3 من الغاز (انظر الجدول رقم 1).

وقد بدأت أولى وأهمِّ الاكتشافات في منطقة حوض شرق البحر المتوسِّط في بداية الألفية، حين اكتشفت شركة بريتيش بتروليوم البريطانية حقل (غزَّة مارين) على مسافة ٣٥ كم تقريباً من قطاع غزَّة، ويُقدَّر مخزونه بقُرابة تريليون م3 من الغاز[2]. وعلى الرغم من أنَّ الفِلَسطينيين كانوا أول مَن اكتُشِفت مواردهم من الغاز في المنطقة، وذلك في بداية القرن الحالي، فإنَّ إسرائيل حالت بينهم وبين استثمار هذه الموارد لأسباب لها علاقة بالتسوية السياسية، ولإخضاعهم اقتصادياً وأمنياً. وحال الخلل في موازين القُوى لصالح إسرائيل، علاوةً على التفكُّك الداخلي الفِلَسطيني، دون الدفاع عن حقِّ الفِلَسطينيين أو استثماره بالشكل المطلوب.

بدأت عمليات الاستكشاف في الازدياد بعد نجاح التجمُّع (الكونسورتيوم) الذي تقوده شركة (نوبل إنرجي) الأمريكية في اكتشاف حقل تَمار عام 2009 قبالة سواحل إسرائيل، ومع توالي الاكتشافات (انظر الجدول رقم ١)، أصبحت دول المنطقة أكثر اهتمامًا بتكليف الشركات الأجنبية بأعمال الاستكشاف[3].

وقد دفعت التقديرات المتعلِّقة بحجم الثروات التي يكتنزها حوض شرق المتوسِّط، الشركاتِ الأجنبيةَ التابعة للقُوى الكبرى إلى التنافس أيضاً فيما بينها لحجز حِصَّة لها، وهو الأمر الذي استتبع تدخُّلاً أجنبياً أكبر في المنطقة. وأدَّى اكتشاف الغاز قبالة سواحل قبرص وإسرائيل ومصر إلى تحفيز باقي الدول على تسريع عمليات الاستكشاف، فدخلت جميع دول المنطقة في سباق محموم، نظرًا إلى ما يمكن أن يشكِّله الغاز المكتشَف من نقطة تحوُّل في المعطيات الاقتصادية والطاقوية لهذه البلدان.

فدولة مثل تركيا -على سبيل المثال- تدفع قُرابة 40 مليار دولار سنويًّا فاتورةً لاستيراد مصادر الطاقة[4]، ولا شكَّ في أنَّ اكتشاف كمِّيات ضخمة من الغاز من شأنها أن تحرِّر هذه الكمِّية الهائلة من الأموال للاستخدام في مجالات أخرى. الشيء نفسه ينطبق كذلك على بقية الدول المذكورة، سواءٌ فيما يتعلَّق بقبرص ولبنان وسوريا.

 

الخلافات حول استثمار الثروات الطبيعية شرق المتوسِّط:

قُبيل عقدين من الزمن تقريباً، لم تكن الخلافات بشأن الحدود البحرية بين دول شرق حوض البحر المتوسِّط كما هي عليه اليوم. ففي السابق، كانت هذه الخلافات شبه ميِّتة، بسبب عدم وجود أهمِّية كبرى للمساحات المائية لأيٍّ من الدول المعنية بالموضوع، إذ كان الخلاف يُجمَّد عملياً.

لكن مع تزايد الاكتشافات وتسابق الدول لحجز حصصها وتوقيع اتِّفاقيات استكشاف مع الشركات الأجنبية، صار من مصلحة كلِّ طرف أن يعلن موقفاً يرسم من خلاله حدوده البحرية؛ خوفاً من ضياع حقِّه او استغلاله من قِبل الدول المجاورة تحت سياسة الأمر الواقع.

وبمسح لمعطيات القائمة شرق المتوسِّط، يمكن القول إنَّ هناك أربعة مستويات أساسية من الخلاف، هي: الخلافات الحدودية، والخلافات المتعلِّقة بخلق أمر واقع من خلال تكليف الشركات الأجنبية بالبحث و/أو التنقيب عن النفط والغاز، والخلافات حول طريقة تصدير الغاز المكتشَف، وأخيراً الخلافات الناجمة عن زيادة الوجود العسكري والتحالفات العسكرية القائمة في المنطقة.

وقد أدَّى اكتشاف الثورات الطبيعية إلى تضخيم هذه الخلافات، إذ يؤدِّي ترسيم الحدود دوراً في تحديد حجم الكمِّية التي يُحصَل عليها من الموارد الطبيعية التي تُكتشف. وغالباً ما يحكم النزاعَ بين هذه الدول عنصران: الأول هو الاتِّفاقيات والقوانين الدولية التي ترسم الحدود بين كلِّ دولة وأخرى في البحر، والآخر هو ميزان القُوى بكلِّ ما يعنيه هذا المصطلح من معنًى.

وفيما يتعلَّق بالمعيار الأول، أي الاتِّفاقيات والقوانين الدولية، فإنَّ هناك دولاً غير موقِّعة على معاهدة قانون البحار، مثل تركيا وإسرائيل وسوريا، وهذه الدول تعتمد على معايير مختلفة في رسم حدودها عن الدول الموقِّعة، ما يؤدِّي إلى تضارب بين الدول الموجودة على حدود بحرية مشتركة أو متداخلة.

أمَاً فيما يتعلَّق بموازين القُوى، فقد كانت إسرائيل الدولة الأكثر استفادةً من هذا المعيار في رسم معالم حدودها، استناداً إلى قدراتها العسكرية وقوَّتها الصُّلبة في مواجهة الفِلَسطينيين واللبنانيين على وجه التحديد. وكذلك الأمر فيما يتعلَّق باليونان في مواجهة تركيا، إذ استفادت اليونان (ومعها قبرص اليونانية) دوماً من الدعم الأوروبِّي -والغربي عموماً- في وجه المطالب التركية.

ويُعدُّ الخلاف بين تركيا وقبرص اليونانية، بالإضافة إلى الخلاف بين لبنان وإسرائيل، من أبرز الخلافات الموجودة شرق المتوسِّط. وهذه الخلافات لا تتعلَّق فقط بالحدود المائية، وإنما بالصراع الجيو-سياسي، وهو ما يجعل المسألة أكثر تعقيداً من تصويرها على أنها ليست إلا خلافاً حدودياً.

 

أ) الخلاف اللبناني-الإسرائيلي:

يُعدُّ هذان البلدان في حالة حرب مفتوحة، تتخلَّلها هُدَن بعضها قصير والآخر طويل الأجل. ويعرقل هذا الوضع من إمكانية ترسيم الحدود بينهما بشكل عامّ، فضلاً عن الحدود البحرية. وقد بدأ اهتمام لبنان بترسيم حدوده البحرية مع إسرائيل يزداد بشكل كبير بعد الحديث عن وجود كمِّيات ضخمة من الغاز قبالة سواحله.

وخوفاً من أن تُسارِع إسرائيل إلى استغلال الثروات الموجودة في حدود حقوق لبنان البحرية، اعتماداً على القوَّة القاهرة أو بحكم الأمر الواقع، فقد سارع لبنان إلى المطالبة بحقوقه. ونشب عن ذلك خلاف بين الطرفين على رقعة بحرية يبلغ حجمها قُرابة 850 كم٢، إذ تتقاطع ادِّعاءات الطرفين بوجود حقوق في المناطق 8 و9 و10 من المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة للبنان، ولا سيَّما المنطقة رقم 9، التي يُعتقد أنها تضمُّ موارد طبيعية هائلة من الغاز والنفط[5] (انظر الجدول رقم 2).

خريطة تُظهِر الرقع التي تدَّعي إسرائيل وجود حقوق لها فيها:

في المقابل، يرفض لبنان هذه المزاعم الإسرائيلية، ويرى أنَّ استناد إسرائيل إلى الخطِّ الأزرق البرِّي في رسم حدود بحرية، غيرُ قانوني ولا يُعوَّل عليه. كما ترفض الحكومة اللبنانية أيضًا اتِّفاق الترسيم الذي جرى بين قبرص وإسرائيل، لأنه ينتهك حقوقها، وتطالب قبرصَ بأن تُعدِّل هذا الاتِّفاق، لكنها ترفض[6].

 

ب) الخلاف التركي – القبرصي اليوناني:

هذا الخلاف متشعِّب، وتتداخل فيه أربع جهات أساسية، هي تركيا وقبرص التركية وقبرص اليونانية واليونان. وكان هذا الخلاف قد بدأ يتدحرج ككرة ثلج بسبب اتِّخاذ قبرص اليونانية خطوات أحادية الجانب لترسيم حدودها البحرية واستثمار الثروات داخل هذه الحدود. وقد تسبَّب ذلك في مشكلات مع تركيا وقبرص التركية لعدَّة أسباب، أهمُّها[7]:

أنَّ اتِّفاقات ترسيم الحدود المائية أو المنطقة الاقتصادية الخاصَّة التي أجرتها قبرص اليونانية، لا سيَّما مع كلٍّ من مصر وإسرائيل، تنتهك حقوق تركيا فيما يتعلَّق بحدودها المائية، وذلك وَفقاً لما تنصُّ عليه قوانين الأمم المتَّحدة نفسها (انظر الجدول رقم 3).

أنَّ ترسيم مناطق خاصَّة للتنقيب عن النفط والغاز بمعزل عن إرادة القبارصة الأتراك، الذين من المفترض أنهم مكوِّن رئيسي ويمتلكون حقوقاً في الجزيرة بمعزِل عن الانقسام السياسي الحاصل، يشكِّل انتهاكاً صريحاً لهذه الحقوق.

مع افتراض أنَّ القبارصة الأتراك لا يمتلكون حقوقاً تخوِّلهم الاعتراض على الترسيم الذي أجراه الشطر الجنوبي، فإنَّ هذا الترسيم ينتهك الحدود البحرية للشطر الشمالي ولتركيا أيضاً. ونتيجةً لذلك، فقد صارت توجد مناطق متنازَع عليها حتى داخل الترسيم الذي جرى.

تكليف الشركات الأجنبية بالتنقيب عن النفط والغاز في المناطق التي رُسِّمَت، ينتهك حقوق الأتراك والقبارصة الأتراك أيضاً.

خريطة تُظهِر تداخُل الحقول التي حدَّدتها قبرص اليونانية للتنقيب.

مع حدود قبرص التركية وحدود الجرف القارِّي لتركيا

وبموازاة هذا الخلاف، فإنَّ هناك خلافاً آخر يجري حول دور كلٍّ من تركيا ومصر بصفتهما محوراً لتصدير الغاز من المنطقة إلى أوروبا. وتستغلُّ كلُّ دولة المزايا التي تتمتَّع بها من أجل تقديم نفسها لاعبًا أساسيًّا في هذا المضمار. فلطالما سوَّقت تركيا نفسها بحكم موقعها الجغرافي الوسطي بين كبار منتجي الطاقة ومستهلكيها في العالم، على أنها محور لتوزيع الطاقة يدعمه اقتصاد قوي واستقرار داخلي وقوَّة عسكرية. ولذلك، فهي مهيَّأة عمليّاً لتأدية هذا الدور، وقد ازدادت حظوظها مع الأنابيب التي جرى/يجري إنشاؤها لنقل الغاز من وسط آسيا وروسيا والجوار الإقليمي إلى أوروبا (انظر الخريطة).

تركيا: مشاريع أنابيب نقل الغاز الموجودة أو المخطَّط لها مستقبلاً

أمَّا مصر فتسوِّق نفسها على أنها البديل السياسي المناسب الذي يتمتَّع بعلاقات جيِّدة مع إسرائيل وقبرص واليونان، والذي سبق أن تنازل لتلِّ أبيب وقبرص عن بعض المناطق في الحدود البحرية، لتسهيل تشكيل التكتُّل المطلوب. علاوةً على ذلك، فإنَّ اكتشافات كمِّيات كبيرة من الغاز قبالة مصر وفي حقل ظُهر، يجعلها فاعلاً قويّاً، إضافةً إلى أنه باستطاعتها استخدام محطَّات تسييل الغاز الموجودة على سواحلها دون الحاجة إلى إنشاء محطَّات جديدة، وذلك من أجل تسييل الغاز وتصديره إلى أوروبا[8].

خطوط نقل الغاز المحتمَلة من شرق البحر المتوسِّط إلى أوروبا

دور القُوى الكبرى:

هناك ثلاث قُوىً كبرى تتابع التطوُّرات المتعلِّقة بالتنافس الجاري شرق حوض البحر المتوسِّط من كثب، وتنخرط في كثير من القضايا المرتبطة فيه أيضاً بشكل أو بآخر، بَدءاً من الموقف السياسي، ومروراً بمشاركة شركاتها في عملية التنقيب اقتصاديّاً، وليس انتهاءً باعتمادها على قوَّتها العسكرية في المنطقة لكي تضمن تأمين مصالحها، وهذه القُوى هي:

١) الاتِّحاد الأوروبِّي:

ويُعدُّ من أكبر مستهلكي الطاقة في العالم، وهو من هذه الناحية هدف أساسي للمنتِجين الذين يتطلَّعون إلى تأمين حِصَّة لهم في هذه السوق. لكنَّ مشكلة الاتِّحاد الأوروبِّي الأساسية هي أنه يعتمد بشكل شبه كلِّي على الغاز المستورَد من روسيا، وهو ما يجعل دول الاتِّحاد تحت رحمة موسكو من الناحية السياسية والاقتصادية والأمنية. لذلك، يحاول الاتِّحاد تنويع واردات الطاقة بشكل أكبر، ومن هذه الزاوية بالتحديد، تُشكِّل منطقة شرق حوض البحر المتوسِّط فرصة ثمينة لتحقيق هذا الهدف، في ظلِّ التقديرات المتاحة حول حجم ثروة النفط والغاز التي يكتنزها باطنها أولاً، ولمشاركة الكثير من شركات التنقيب عن النفط والغاز التابعة لدول الاتِّحاد ثانياً، وأخيراً، لقرب المنطقة جغرافيّاً من الاتِّحاد، مقارنةً بالشِّحنات التي تستوردها من الولايات المتَّحدة.

إنَّ موقف الاتِّحاد الأوروبِّي من التنافس الجاري شرق المتوسِّط منحاز بشكل واضح إلى قبرص اليونانية واليونان في مواجهة تركيا. ويمثِّل الانحياز انتهاكاً للكثير من القواعد والقوانين الدولية وَفق وجهة النظر التركية، كما أنه يتناقض مع جهود إيجاد حلٍّ سلمي لتوحيد جزيرة قبرص، وذلك على اعتبار أنَّ دعم الإجراءات الأحادية لقبرص اليونانية من شأنه أن يخلق مجالاً جديداً للخلاف، وأن يقوِّي موقف الشطر اليوناني الرافض للحلول السلمية.

ينبع موقف الاتِّحاد الأوروبِّي من انحياز سياسي ليس إلى ناحية تأييد اليونان وقبرص اليونانية فقط، وإنما إلى ناحية اتِّخاذ موقف معاكس لتركيا يسعى إلى تحجيمها أيضاً. ولذلك، فقد ينعكس هذا الموقف على الخلاف المتعلِّق بمسار أنابيب الغاز التي يجري العمل عليها لنقل الغاز المكتشَف من المنطقة وأوروبا.

٢) روسيا:

وهي لاعب قوي في هذا المضمار، نظراً إلى امتلاكها أكبر احتياطي مؤكَّد من الغاز الطبيعي في العالم، بواقع 35 تريليون م3 تقريباً[9]. وأولوية موسكو هي الحفاظ على موقعها المتصدِّر لسوق الغاز وعلى حِصَّتها في هذه السوق، لذلك يهمُّها أن تراقب أيَّ منافسة ناشئة لها من قبل أيِّ دولة أو دول مجتمِعة، لا سيَّما مع توالي اكتشافات الغاز في مناطق متعدِّدة في آنٍ معاً. علاوةً على ذلك، فهي تريد أن تُبقي من عملائها رهينة لديها لناحية التأثير السياسي، ولذلك فمن مصلحتها الحيلولة دون قدوم منافسين جدد في الغاز، لا سيَّما فيما يتعلَّق بأوروبَّا. ولتحقيق هذه الأهداف، فقد انخرطت روسيا في لعبة شرق حوض المتوسِّط على عدَّة مستويات، وذلك من خلال:

شركات التنقيب عن الغاز، عبر عقود مع لبنان[10].

تمويل المشاريع القائمة، من خلال شراكة مع قبرص واليونان[11].

وجود عسكري واتِّفاقات ثنائية، كما هو الحال مع سوريا[12].

الحصول على حصص في مشاريع قائمة، كما هو الحال مع مصر.

ويمكن ملاحظة أنَّ لروسيا علاقات مع أطراف النزاع المختلفة في حوض شرق البحر المتوسِّط، وهي علاقات متداخلة سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا، ما يضمن لها مساحة أكبر من المناورة لاحقاً، بما يحقِّق مصالحها في المنطقة. وربَّما تصبح روسيا في مرحلة ما بمثابة (بيضة القَبَّان) أو الثِّقْل الذي يُرجِّح الكِفَّة لأيٍّ من الأطراف المتخاصمة في المنطقة، لا سيَّما فيما يتعلَّق بالخلاف بين تركيا وقبرص اليونانية من جهة، وإسرائيل ولبنان من جهة أخرى.

٣) الولايات المتَّحدة: 

وهي موجودة بقوَّة في المنطقة سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا، وموجودة كذلك من خلال شركاتها للتنقيب عن النفط والغاز، ومن خلال علاقاتها مع الدول الرئيسية المنخرطة في التعاون أو التنافس في شرق البحر المتوسِّط. والموقف الأمريكي داعم ومنحاز بشكل رئيسي لإسرائيل، وبالتبعية للدول التي تدور في فلك إسرائيل في شرق المتوسِّط. والولايات المتَّحدة هي الأخرى لا تريد أن تكون غائبة عن المشهد، في ظلِّ احتدام التنافس بين الدول الإقليمية والقُوى الدولية. وقد لوحظ في الآونة الأخيرة أنَّ واشنطن أدَّت دورين متناقضين في آنٍ معاً هناك.

الأول هو تسهيل وساطة[13] بين إسرائيل ولبنان حول الخلاف القائم، فيما يتعلَّق بترسيم الحدود البحرية والقطاعات التي يدَّعي كلُّ طرف أنَّ الطرف الآخر يمتلك حقًّا فيها. وهذا الجهد يعكس منحًى تصالحيًّا من وجهة نظر أمريكية، وربَّما يكون هدفه تسهيل رغبة إسرائيل في الانتهاء من الخلاف، لتسريع عمليات الاكتشاف والتصدير لاحقاً.

أمّا الدور الآخر الذي أدَّته واشنطن والذي يتناقض مع الأول، فهو إصدار قانون (شراكة الأمن والطاقة شرق البحر المتوسِّط لعام 2019)[14]، الذي يؤسِّس لدور أقوى وأكبر لواشنطن في مسألة شرق البحر المتوسِّط، ويعكس انحيازاً واضحاً ضدَّ تركيا (كما سيأتي بيانه).

خريطة شاملة للوضع القائم شرق البحر المتوسِّط

 

عسكرة التنافس شرق المتوسِّط:

في يناير من عام 2019، أُسِّس منتدى غاز شرق البحر المتوسِّط في القاهرة، وهو عبارة عن تجمُّع تقوده إسرائيل عمليًّا، يضمُّ مصر واليونان والأردن وفِلَسطين وإيطاليا. يُقدَّم هذا المنتدى على أنه منصَّة إقليمية للاستفادة من الجهود المبذولة لاستكشاف الغاز وتصديره، بما ينفع الدول المشاركة في المنتدى[15]، ولذلك فهو يظهر من هذه الزاوية كتجمُّع جيو-اقتصادي. لكن في حقيقة الأمر، يتَّخذ هذا التجمُّع شكلاً ثلاثي الأبعاد، ففي حين يُقدَّم على أنه تجمُّع جيو-اقتصادي، يحظى كذلك بطابع جيو-سياسي وجيو-أمني يشير إلى أنَّ من بين أهدافه غير المعلَنة:

دمج إسرائيل من الناحية الاقتصادية في المنطقة.

تشكيل محور أمني-عسكري شرق المتوسِّط، يعزِّز من مصالح إسرائيل وحلفائها.

عزل تركيا سياسيًّا واقتصاديًّا فيما يتعلَّق بثروات شرق المتوسِّط، وردعها عسكريًّا.

ويمكن ملاحظة ذلك من خلال عدد متزايد من المؤشِّرات، لعلَّ أهمَّها:

١) فيما يتعلَّق بالدور الإسرائيلي:

تحاول تلُّ أبيب استغلال اكتشافات الغاز للتحوُّل من مستورِد له إلى مصدِّر، فبعد الاعتماد الكبير الذي كان قائماً في السابق على استيراد الغاز المصري بأسعار تفضيلية، أصبحت تل أبيب تُصدِّر الغاز كذلك. وعلى الرغم من أنَّ عينها كانت -ولا تزال- تستهدف الأسواق الأوروبِّية والدولية، فإنها عمدت إلى تأمين أسواق استهلاك إقليمية أولاً، وذلك لتأمين بيع الغاز بانتظار اكتمال البنى التحتية اللازمة لتصديره إلى الأسواق البعيدة. ولأجل ذلك، ربطت إسرائيل نفسها بمصر والسلطة الفِلَسطينية والأردن، بما يمكِّنها من تحقيق أربعة أهداف:

تأمين سوق للغاز المكتشَف، في ظلِّ صعوبة التصدير إلى الأسواق الدولية.

تحقيق الاندماج الاقتصادي لإسرائيل في المنطقة دون الاضطرار إلى تقديم تنازلات للدول العربية مقابل ذلك.

تحويل الغاز إلى رافعة سياسية وأمنية تستطيع تلُّ أبيب بها المضيَّ في عملية التطبيع قدماً، وتبقى محتفظة كذلك بورقة تخوِّلها الضغط على بعض هذه الدول حينما تريد، وهي ورقة الطاقة.

نشوء نواة تحالف عسكري بين إسرائيل وكلٍّ من قبرص واليونان، ومعهما مصر بشكل غير مباشر.

٢) فيما يتعلَّق بمحاولات عزل تركيا:

تسعى إسرائيل إلى استغلال الخلاف التركي-اليوناني حول قبرص في تفعيل دور أمني أكبر لها في المنطقة. وقد نجحت تلُّ أبيب خلال السنوات القليلة الماضية في تمتين علاقاتها مع جمهورية قبرص واليونان، في الوقت الذي كانت فيه علاقات تركيا مع هذه الدول الثلاث تتدهور. ولذلك شكَّل موضوع غاز شرق المتوسِّط مدخلاً وذريعةً مهمَّة لتأسيس الشراكة بين إسرائيل واليونان وقبرص. ثم ما لبثت مصر أن دخلت هي الأخرى على الخطّ، لثلاثة أسباب:

أولها أنَّ نظام السيسي كان يبحث عن وسيلة لإسباغ الشرعية على حكمه، والانضمام إلى مثل هذا المثلَّث من شأنه أن يؤمِّن له ذلك، خاصَّةً بعد أن قدَّم النظام تنازلات لإسرائيل وقبرص في ترسيم الحدود البحرية.

أنَّ النظام المصري يريد من خلال الاكتشافات الجديدة للغاز أن يؤدِّي دور المحور الرئيسي لنقل الغاز وتصديره بين الدول المنتجة والدول المستهلكة، وهو الدور نفسه الذي كانت -ولا تزال- تركيا تروِّج له، بحكم موقعها الجغرافي الواقع في الوسط بين كبار منتجي الغاز والطاقة ومستهلكيها في العالم.

أنَّ نظام السيسي ينظر إلى تركيا على أنها خصم لأنها تَعُدَّه نظاماً انقلابيًّا، ولاحتضانها عدداً من قيادات المعارضة المصرية، بالإضافة إلى كونها منافساً إقليميًّا على تناقض مع النظام المصري في عدد من الملفَّات الإقليمية، بَدءاً من الخليج وليس انتهاءً بمنطقة شمال إفريقيا، ومن ثَمَّ، فإنَّ التنسيق مع قبرص واليونان ومن خلفهم إسرائيل، سيساعد على الضغط أكثر على تركيا، لمنعها من الاستفادة من ثروات حوض شرق المتوسِّط.

في أواخر يوليو ٢٠١٩، عبَّرت فرنسا عن نيَّتها الانضمام إلى التجمُّع، وكذلك فعلت الولايات المتَّحدة. وهنا، تجدر الإشارة إلى أنَّ باريس وواشنطن تمتلكان شركات نفط (توتال الفرنسية، ونوبل إنرجي وإكسون موبيل الأمريكيتين) رخَّصت لها قبرص اليونانية لها بالمسح واستخراج الغاز، وهذا يعني أنها ربطتها بها بشبكة من المصالح، وهذه الدول (أي فرنسا وأمريكا) لديها كذلك ما يكفي من قوَّة عسكرية في المتوسِّط للدفاع عن مصالح شركاتها. علاوةً على ذلك، فقد حصل في الآونة الأخيرة تطوُّران هامَّان في هذا المجال:

الأول هو اتِّفاق فرنسا مع قبرص اليونانية على تطوير القاعدة العسكرية البحرية في الجزيرة، لتصبح قادرة على استضافة سفن ضخمة بما في ذلك حاملات طائرات، وهو مؤشِّر خطير على الاستعداد لاستخدام القوَّة العسكرية مستقبلاً، بالنظر إلى شكل التنافس الآخذ في الازدياد في المنطقة.

أمَّا التطوُّر الثاني فهو تمرير قانون شراكة الأمن والطاقة شرق البحر المتوسِّط لعام 2019 في الكونغرس الأمريكي في شهر يونيو الماضي. ويمكن إيجاز القانون بستِّ نقاط أساسية، هي:

رفع الحظر عن بيع الأسلحة لجمهورية قبرص اليونانية.

إجازة إنشاء مركز أمريكي للطاقة شرق المتوسِّط، لتسهيل التعاون في مجال الطاقة بين كلٍّ من أمريكا وإسرائيل واليونان وقبرص.

السماح بمساعدة مالية عسكرية لليونان بقيمة 3 ملايين دولار.

إجازة المساعدة في مجال التعليم والتدريب العسكري الدولي لليونان وقبرص 2020-2022.

منع نقل مقاتلات إف-35 إلى تركيا طالما استمرَّت في صفقة (إس-400) الروسية.

مطالبة الإدارة الأمريكية بتقديم استراتيجية لتعزيز التعاون الأمني والتعاون في مجال الطاقة مع دول حوض شرق البحر المتوسِّط، بالإضافة إلى متابعة الأنشطة الخبيثة التي تقوم بها روسيا ودول أخرى في المنطقة.

فمن الواضح من صيغة القانون ومضمونه أنه موجَّه بالدرجة الأولى ضدَّ تركيا، وأنه يرفع من مخاطر الاشتباك العسكري في المنطقة.

السياسة التركية إزاء التطوُّرات شرق المتوسِّط:

تمتلك تركيا أكبر قوَّة بحرية في شرق المتوسِّط، ولديها ثاني أكبر جيش في حلف الناتو بعد الولايات المتَّحدة الأمريكية، وعندما يتعلَّق الأمر بقبرص أو بحقوق القبارصة الأتراك، فمن الصعب على الأتراك التراجع بغضِّ النظر عن التبعات المحتملة أو التهديدات الممكنة. والأتراك لديهم خلافات ورؤًى ووجهات نظر متضاربة إزاء كيف يجب أن تكون السياسة الخارجية لبلادهم، لكنهم -على رغم خلافاتهم- متَّفقون على مسألة واحدة، وهي ضرورة حماية حقوق تركيا في جرفها القارِّي، وحماية حقوق القبارصة الأتراك، مهما كلَّف الأمر.

وعندما يتعلَّق الأمر بقبرص، فقد سبق لأنقرة أن تحدَّت الجميع في السبعينيات من القرن الماضي (1974)، حتى حلفاءها، وتحمَّلت حظراً شاملاً على التسلُّح فرضته عليها الولايات المتَّحدة الأمريكية عام 1975، ورفضت خطوات الأمر الواقع التي حاولت اليونان فرضها في الجزيرة من خلال دعم انقلاب مسلَّح لأتباعها اليونانيين القبارصة. واليوم، يُعيد الأتراك التذكير بأنَّ شيئاً لن يمنعهم من اتِّخاذ الخطوات المناسبة إذا تكرَّرت حالة فرض الأمر الواقع مجدَّداً.

لقد تدرَّجت السياسة التركية في شرق البحر المتوسِّط في الردِّ على سياسة الأمر الواقع التي تفرضها قبرص اليونانية، من خلال إجراءات مختلفة، لعلَّ أهمَّها أنها:

رفضت بشكل دائم كلَّ الإجراءات الأحادية لقبرص اليونانية.

اقترحت إيقاف كلِّ العمليات، والتوصُّل إلى اتِّفاق ثنائي قبرصي تركي – قبرصي يوناني، يعمل على توحيد الجزيرة، ومن ثَمَّ على تحقيق الاستفادة القصوى لكلِّ الأطراف من هذا الاتِّفاق في العمليات المتعلِّقة بالبحث عن النفط والغاز واستخراجهما.

اقترحت التوصُّل إلى اتِّفاق بين قبرص التركية وقبرص اليونانية لتحديد التكليفات المتعلِّقة بالشركات الأجنبية، وتقاسُم العوائد، والابتعاد عن المناطق المتداخلة للطرفين.

أجرت محاولات لمنع سفن الشركات الأجنبية من المسح أو التنقيب في مناطق متنازَع عليها، داخلةٍ في حقوق تركيا أو قبرص التركية.

أرسلت سفنها الخاصَّة بها للمسح والتنقيب عن النفط والغاز في المناطق التي تقول إنها تابعة لها ولقبرص التركية، والتي تتداخل مع ما تقول قبرص اليونانية إنها حقوق لها.

عقدت اتِّفاقاً مع قبرص التركية بشأن ترسيم الحدود البحرية واستكشاف النفط والغاز واستخراجه.

نشرت بشكل متزايد المزيد من القطع البحرية لحماية سفنها في المناطق المتنازَع عليها.

تحاول أنقرة كذلك -على ما يبدو- تشكيل تكتُّل موازٍ للتكتُّل الذي تقوده إسرائيل، من خلال تجميع الدول المهمَّشة أو المستبعَدة من الإطار المذكور، مثل لبنان وقبرص التركية. ففي شهر أغسطس 2019، أجرى وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو، زيارةً إلى لبنان عبَّر خلالها عن جهوزية تركيا لمساعدة لبنان في استخراج موارد الطاقة من البحر المتوسِّط، وتصديرها إلى الدول الأوروبِّية عبر خطٍّ للغاز يربط لبنان بتركيا، مشدِّداً في الوقت نفسه على أنَّ «تركيا حريصة على عدم اعتداء أيِّ طرف من الأطراف الإقليمية على حقوق لبنان في موارد الطاقة»[16].

وفي خطوة تؤكِّد وَحدة الأتراك في وجه المساعي الجارية لعزلهم وهضم حقوقهم، أصدرت الأحزاب الأربعة الممثّلة في البرلمان التركي في شهر يوليو بيانً مشتركاً[17] تستنكر فيه الإجراءات الأوروبِّية، وتعبِّر عن دعمها لجهود الدولة في أعمال التنقيب عن الغاز في منطقة شرق المتوسِّط، مؤكِّدةً عدم قبول تركيا وقبرص التركية الخضوعَ للضغوط حول أعمال التنقيب شرقي المتوسِّط، لأنهما تتمتَّعان بالقدرة على حماية حقوقهما المشروعة وَفقاً للقانون الدولي. وقد أوجز الرئيس التركي صورة المشهد في يناير الماضي، خلال كلمة له في الأكاديمية العسكرية بأنقرة، عندما قال: «إذا لم يكن لديك قوَّة عسكرية وسياسية واقتصادية، فيجب عليك أن تعلم أنَّ أحداً لن يأخذك على محمل الجدّ».

غاز المتوسِّط من فرصة سلام إلى احتمال حرب:

لم ينتهِ الخلاف اللبناني-الإسرائيلي حول ترسيم الحدود البحرية بعد، لكنه تراجع في ظلِّ الغطاء الذي يؤمِّنه الوسيط الأمريكي للطرفين للاتِّفاق، معتمداً على رغبة كلٍّ من البلدين في التوصُّل إلى صيغة للاستفادة من المناطق المتنازَع عليها. وهو ما يعني أنَّ ضرورة اقتصادية أملت الحاجة إلى هذا الاتِّفاق -على الأقلِّ من وجهة النظر اللبنانية- إذ تبدو الحاجة الماسَّة إلى الغاز دافعاً إلى جعل اللبنانيين أكثر حرصاً على حلِّ الخلاف مع إسرائيل.

ومع أنَّ العامل الاقتصادي غير غائب عن المعادلة من الناحية الإسرائيلية، لا سيَّما فيما يتعلَّق بتحرير العوائق المحتملة أمام استغلال تلِّ أبيب لطاقات القطاع رقم (9) المتنازَع عليه مع لبنان، فإنَّ هناك أيضاً مَن يرى أنَّ ثمَّة حسابات سياسية وأمنية وراء السعي إلى التوصُّل لاتِّفاق مع الجانب اللبناني، مشيراً إلى أنَّ ذلك يكتسب أهمِّية استراتيجية لكونه يؤدِّي إلى إضعاف حزب الله[18].

ومع أنَّ التقدُّم في المفاوضات لا يلغي إمكانية اندلاع مواجهة بشكل تامٍّ حول الحقوق شرق المتوسِّط، فإنه يُعدّ مؤشِّراً على تراجع الخلاف اللبناني-الإسرائيلي، وهو الأمر الذي يقلِّل من احتمال اندلاع صراع أو مواجهة مفتوحة بين الطرفين، وهذا ما لا ينطبق حاليّاً على الخلاف الجاري بين تركيا وقبرص اليونانية، إذ تتَّجه الأخيرة إلى التصعيد نتيجةً للخطوات القبرصية اليونانية أحادية الجانب، المدعومة بغطاء إقليمي ودولي واسع.

وفي الآونة الأخيرة، صار الاتِّحاد الأوروبِّي يصبُّ الزيت على النار من خلال دعم تحرُّك قبرص اليونانية واليونان، وفرض عقوبات على تركيا لإرسالها سفن التنقيب عن النفط في محيط قبرص التركية، ردًّا على الإجراءات الأحادية لقبرص اليونانية[19]. ويذهب القانون الأمريكي المقترح في الآونة الأخيرة حول شرق المتوسِّط في الاتِّجاه نفسه، ما يعني أنَّ الأمور تزداد تعقيداً، وأنَّ الهُوَّة بين أطراف الخلاف تتَّسع، وأنَّ التوتر السياسي والاقتصادي آخذ في التحوُّل رويداً رويداً إلى توتُّر عسكري يهدِّد بإمكانية اندلاع حرب على الموارد مستقبلاً.

فعلاوةً على المواقف الإسرائيلية والأوروبِّية والأمريكية الأخيرة، وقَّعت قبرص اليونانية اتِّفاقية مع شركتي توتال الفرنسية وإني الإيطالية، تَطُول ما يُعرف باسم الرقعة رقم (7)، وهي رقعة يرى الأتراك أنها من حقِّهم نظراً إلى وقوعها ضمن جرفهم القارِّي المسجَّل لدى الأمم المتَّحدة. وقد ردَّت تركيا على الإجراء بالقول بأنها «من الآن وصاعداً، لن تمنح الفرصة لأيِّ بلد أجنبي أو شركة أو سفينة بالعمل ضمن حدودها البحرية للتنقيب عن الهيدروكربون أو استخراجه دون الحصول على الموافقة، بأيِّ شكل من الأشكال، وستواصل اتِّخاذ التدابير اللازمة لحماية حقوقها ومصالحها»، محذِّرةً من «الأفعال أحادية الجانب لإدارة قبرص الجنوبية اليونانية، التي تهدف إلى اغتصاب حقوق القبارصة الأتراك، ولن تساهم في تحقيق السلام والاستقرار في شرقي البحر الأبيض المتوسِّط»[20]، وهو ما يعني أنَّ الملف مرشَّح للتصعيد مستقبلاً.

 

(المصدر: منتدى السياسات العربية)

------------------------------------------------------

المصادر والمراجع:

[1] C.J. Schenk et al., Assessment of Undiscovered Oil and Gas Resources of the Levant Basin Province, Eastern Mediterranean, U.S. Geological Survey, 12 March 2010, p. 2.

[2] Darbouche, H., El-katiri, L. and Fattouh, “East Mediterranean gas: what kind of a gamechanger?”, Oxford Institute for Energy Studies (OIES), 2012, p. 4.

[3] Ibid.

[4] Ali Bakeer, Demystifying Erdogan’s Statement on Turkey’s Nuclear Weapons, InsideArabia, 13-9-2019.
https://cutt.us/u6AVr

[5] لبنان مستعدٌّ لتثبيت حدوده البحرية مع إسرائيل بإشراف أممي، وكالة الأناضول، 23-4-2019.

https://cutt.us/3sS3a

[6] Cyprus-Lebanon, “Cyprus-Israel Offshore Delimitation”, MEES, volume 55, issue 40, 28 September 2012.

[7] Çagatay Erciyes, Legal and political framework- Turkey’s views and opinions, Hydrocarbon exploration activities in the Eastern Mediterranean, 17-9-2019.

[8] Dimou, Antonia, East Mediterranean Gas Cooperation and Security Challenges, Zagreb Security Forum 2016, Vol. 17, No. 1-2, 2016.

[9]  روسيا صاحبة أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي المؤكَّد، وكالة الأناضول، 22-6-2018

https://cutt.us/3sS3a

[10] شركة "نوفاتيك" الروسية تفوز بحقوق تشغيل جزء من القطاع النفطي في لبنان، سبوتنيك، 14 ديسمبر 2017.

[11] Melakopides, Costas, On the “Special” Nature of the Russia–Cyprus Relationship, RIAC, 20 June 2017.
https://cutt.us/JLbDa

[12] Coats, Christopher, Russia Finds Path Into Mediterranean Gas Through Syria, Forbes, 16 January 2014.
https://cutt.us/H4GEr

[13] علي باكير، محادثات لبنانية-إسرائيلية على وقع طبول الحرب مع إيران، تلفزيون سوريا، 18-6-2019.

https://cutt.us/yfm5s

[14] “Eastern Mediterranean Security and Energy Partnership Act of 2019”.

https://cutt.us/a1xfQ

[15] للمزيد، انظر:

ممدوح الولي، منتدى غاز شرق المتوسِّط سياسي أم تجاري؟، الجزيرة مباشرة، 10-8-2019.

https://cutt.us/Fji8k

[16] تشاووش أوغلو يقدِّم عرضاً لـ"لبنان" لإدارة موارده من الغاز، تركيا الآن.

https://cutt.us/9FY4H

[17] Parliament supports government’s gas drilling activities in east Med Sea, Hurriyet Daily, 19-7-2019.

https://cutt.us/XEO5l

[18] تقديرات إسرائيلية: فرص حلِّ الخلاف الحدودي مع لبنان تتعاظم، العربي الجديد، 10-7-2019.

https://cutt.us/8U6j4

[19] EU Slaps Sanctions on Turkey Over Gas Drilling Off Cyprus, VOA, 16-7-2019.

https://cutt.us/c3coW

[20] بيان الخارجية التركية بتاريخ 19-9-2019.

https://cutt.us/btqnV

Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة