الحاجة إلى التصالح مع الشعوب

التصالح الداخلي وإدارة الاختلافات يجسد المصلحة العليا لأي شعب وأي دولة، وهو السبيل إلى تسوية الخلافات الداخلية وتجفيف منابع الظلم، ومعالجة بيئة التسلط والقمع والقهر.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/aAwzb5
الخميس، 14-01-2021 الساعة 10:29

توفر الأنظمة الفاشية استقراراً وهمياً يعتمد على الرعب والإرهاب الرسمي، ولكن ضريبة هذا الاستقرار غير الآمن باهظة الكلفة على الإنسان وكرامته وحريته، وهو أشبه باستقرار السجين في السجن، ولا يتحقق الاستقرار الإنساني الحقيقي إلا بنظام عادل يحول دون الظلم ويمنع التعسف في استخدام السلطة لممارسة الاستبعاد الاجتماعي والإقصاء والتهميش، وكل استقرار تفرضه الأنظمة الفاشية يقوم على الظلم استقرار وهمي وخيم العواقب، وكلفته المستقبلية باهظة، وقد ينجح حيناً من الزمن، ولكنه ينتهي بانفجارات عنيفة ومدمرة، ولنا في الوطن العربي عبرة بالأنظمة التي أقامت الاستقرار بالحديد والنار في ليبيا والعراق وسوريا، وكيف تعيش اليوم حالات الفوضى والتعثر في الإصلاح والتحول الديمقراطي.

كما تتنفس البراكين نتيجة احتقانات داخلية في جوف الأرض فإن الاحتقانات السياسية تـأخذ نفس القانون الطبيعي الفيزيائي وتبحث عن تنفيس، ويخرج التنفيس في الغالب عن السيطرة فيصب البعض غضبهم على الضحايا وعلى الفوضى، ويمجد البعض الديكتاتورية التي كانت سبباً في وصول الأوضاع إلى ما وصلت إليه، وكل ذلك بسبب التعامل السطحي مع الأعراض وتجاهل الأسباب التي تتشكل من القمع والإقصاء والتهميش للقوى الحية والفاعلة، واحتكار السلطة والثروة، وغياب أي تمثيل حقيقي للمكونات الفاعلة، واعتماد سياسات الكبت، فتتولد بيئة خصبة لانفجارات فوضوية لا يستطيع أحد أن يتوقع متى تبدأ؛ لأنها تخضع لقانون نظرية الفوضى في الفيزياء، وتشبه تقلبات حالات الطقس والزلازل والبراكين والأعاصير غير المتوقعة.

حالات الإقصاء والتهميش لا تقتصر على الإقصاء المذهبي والديني والطائفي والعرقي فقط، فالإقصاء الأيديولوجي والسياسي يأخذ نفس مسار الإقصاء الطائفي وينتهي بصراعات تستنزف طاقات الشعوب والدول، فتلجأ أنظمة الإقصاء إلى إهدار مواردها في سبيل فرض العزلة على التيارات الفاعلة، ومحاولة حرمانها من جميع حقوقها، وتضطر الأنظمة التسلطية الفاشية إلى تقديم التنازلات للأنظمة الاستعمارية لتشتري صمتها على الانتهاكات الداخلية التي تمارسها، وتوظف جميع القدرات الإعلامية الثقافية والفنية في سبيل تشويه القوى الفاعلة، وتظل هذه عرضة للابتزاز الخارجي، وتضطر إلى التنازل عن هويتها والتطبيع مع أعداء أمنها القومي، وكل ذلك للهروب من التصالح مع أبناء الشعب والاعتراف بالاختلاف والمكونات المختلفة للمجتمع.

التصالح الداخلي وإدارة الاختلافات يجسد المصلحة العليا لأي شعب وأي دولة، وهو السبيل إلى تسوية الخلافات الداخلية وتجفيف منابع الظلم، ومعالجة بيئة التسلط والقمع والقهر، وعلى الحركات الإصلاحية والمؤسسات التربوية أن تعمل على تعزيز هذه القيم في مؤسسة الأسرة وفي المدرسة والشارع حتى تتحول إلى ثقافة اجتماعية تفرض نفسها على تصرفات أجهزة الأمن مع مواطنيها، وتساهم في تحقيق السلام والوئام الداخلي وتفريغ الاحتقانات الناتجة عن الظلم والإقصاء والتهميش.

إن سياسات تمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي، وحظر التكوينات السياسية والنقابية الفاعلة، وتغييب الأصوات المخلصة والعاقلة والحرة، كانت أبزر سمات مرحلة الثورة المضادة، التي ترافقت مع المرحلة الشعبوية والظاهرة الترامبية الهمجية، وإصلاح هذه السياسات اليوم هو السبيل الوحيد لإعادة الأمن والاستقرار للمنطقة، والتحرر من التبعية واستئناف الدورة الحضارية لأمتنا العربية والإسلامية.

Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة