الجولان.. هدية الشاطر حسن الثانية لإسرائيل

البعد الاستراتيجي لخطة ترامب التجارية سيتلقى ثقلاً إضافياً نوعياً إن فاز بولاية ثانية، فهو سيبرهن للكل أنه رجل ذو يد طولى وكلمة عليا وحظوة كبرى.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/Lyydd3
الاثنين، 25-03-2019 الساعة 10:32

الجولان هي ثاني هدية محسوسة يقدمها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لـ"إسرائيل" منذ توليه السلطة، في يناير عام 2017، وكانت الأولى هي اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لـ"إسرائيل"، ونقل البعثات الدبلوماسية الأمريكية إليها، ولن تنتهي الهدايا القيمة لـ"إسرائيل" إلا بخروجه من البيت الأبيض بعد انتهاء ولايته الأولى وربما الثانية.

ينظر ترامب للرئاسة على أنها مشروع من شقين؛ الأول مجد شخصي يرضي كبرياءه واعتداده بنفسه، والثاني تجاري. ورغم أن هناك تقارير صحفية كثيرة عن انتفاع مادي إضافي عاد على شركات الرئيس وعائلته بفضل توليه الرئاسة، فإننا لا يمكن أن نصفها بأنها إضافة مادية لدخل هذه العائلة الفاحشة الثراء أصلاً، إلا أن الضربة الكبرى والحقيقية ستكون بعد خروجه من البيت الأبيض، واستخدام لقبه كرئيس أمريكي سابق بشكل استثماري قد يزعج الكثير من الأمريكيين.

البعد الاستراتيجي لخطة ترامب التجارية سيتلقى ثقلاً إضافياً نوعياً إن فاز بولاية ثانية، فهو سيبرهن للكل أنه رجل ذو يد طولى وكلمة عليا وحظوة كبرى، وذلك سينقل عمله التجاري وعمل عائلته بأكملها لمستوى جديد ربما لا نبالغ إن قلنا بأنه الأول من نوعه ولم يسبق لرئيس أو سياسي أمريكي أن تمتع بكل ذلك النفوذ السياسي والاقتصادي معاً.

وبغض النظر عن رأينا بشخصية الرئيس، إلا أن التخطيط السليم ومعرفة من أين تؤكل الكتف واضحة في ملامح مسيرة هذا الرأسمالي العتيق منذ اليوم الأول، ومن يتابع طرقه وتطبيقه لقواعد السوق في عمله السياسي سيدرك أن هذا الرئيس هو بالفعل الشاطر حسن الذي استطاع أن يقنع الناس بأنه ولي صدّيق.

كانت أولى خطوات ترامب نحو الرئاسة في عام 2015، وبدأها بالسعي لنيل مباركة النصارى الإنجيليين في أمريكا، وهي طائفة لا يستهان بها سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، ومن يربح دعمهم لن يوصد باب في وجهه، إلا أن مطالبهم ليست بالأمر الهين، ومن الصعب أن يغامر رئيس يحترم تاريخه واسمه بتلبيتها بهذا الزخم، ولكن ترامب مختلف.

في سبتمبر من ذلك العام وقف ترامب كالولد المؤدب المطيع أمام القس الإنجيلي الدكتور ديفيد جرمايا، وحصل على مباركته، وتوالت بعد ذلك المباركات من الكنيسة الإنجيلية وأتباعها الذين انتخبوه بأرقام فلكية، ويعتبرون قاعدته الجماهيرية الرئيسية، وبعد توليه السلطة حرص ترامب على تحقيق أكبر عدد من مطالب الكنيسة الإنجيلية والكنائس المتحالفة معها.

يكمن سر قوة الكنيسة الإنجيلية وتمسك ترامب بها في نظرتها لليهود، فهم على عكس كثير من الطوائف النصرانية لا يعتبرون اليهود على أنهم قتلة المسيح، بل يعتقدون أن كل شيء حدث للسيد المسيح منذ مولده حتى صلبه كان مخططاً إلهياً معداً سلفاً، وأن اليهود لم يكونوا إلا أدوات اختارها الرب واستخدمها لتنفيذ مشيئته، وأنهم مباركون لهذا الاختيار.

وبناءً على ذلك فهم ينظرون بعين الاحترام والتبجيل لليهود، ويعتبرونهم شعب الله المختار بحق، وأن الله أوصاهم بهم خيراً، رغم أن من يقرأ بشارات الأناجيل الأربعة سيرى بوضوح حالة العداء التي أظهرها اليهود لعيسى عليه السلام، وكيف كانوا يخططون لقتله لأنه كان لا يتوقف عن إغاثة الملهوف وإبراء المريض في يوم السبت، الذي يعتبره اليهود يوماً لا يجوز فيه العمل.

أما المسيح عليه السلام، فلن نجد منه أي إشارة أو جملة تدل على رضاه عن اليهود، بل إن الإنجيل مليء بعبارات تدل على سخط السيد المسيح على اليهود؛ لتركهم جوهر الدين واستخدامه لتحقيق منافع دنيوية، كما في إنجيل مرقس الإصحاح 12 الآيات 39 و40، التي تقول: "وقال لهم في تعليمه تحرزوا من الكتبة (رجال الدين ومفسري شريعة موسى) الذين يرغبون بالمشي بالطيالسة والتحيات في الأسواق والمجالس الأولى في المجامع والمتكات الأولى في الولائم. الذين يأكلون بيوت الأرامل ولعلة يطيلون الصلوات، هؤلاء يأخذون دينونة أعظم".

أما فيما يتعلق بالأرض الموعودة فالإنجيليون لهم معتقدات متطرفة في هذا الشأن، ولا يألون جهداً لتحقيقها، ولم يكلوا أو يملوا من المحاولة منذ قرون حتى أبرموا الحلف مع دونالد ترامب، الذي وعدهم بالعمل جاهداً على تحقيق أحلامهم بترسيخ دعائم دولة "إسرائيل" ومدها بكل ما تحتاجه لتبلغ أعلى المراتب.

وفي هذا السياق يعيش الإنجيليون حلماً مفاده أن المسيح لن ينزل على الأرض مرة ثانية ليقود معركته ضد الشر ويتحول اليهود للنصرانية إلا إذا تحققت بعض الشروط؛ وأهمها أن يتجمع يهود العالم في دولة يهودية قوية على أرض فلسطين التي يسمونها "إسرائيل"، وأن هذه الدولة قوية لدرجة تستطيع معها أن تؤمّن سلامة من يقيم على أراضيها، وهذا ما سيساعد على جمع كل يهود العالم في تلك البقعة، وهو شرط أساسي لعودة المسيح كما يعتقدون.

ومن هذا المنطلق فإن قوة اللوبي الإسرائيلي تاريخياً قد وضعت كل ثقلها خلف هذه الطائفة، ولذلك يسعى ترامب بكل ما أوتي من قوة لإعطاء "إسرائيل" كل ما تطالب به لكسب ود وتأييد أنصاره من قادة الكنيسة الإنجيلية وأتباعهم الذين يكوّنون أكثر من 26% من نصارى الولايات المتحدة، وهي أكبر طائفة نصرانية في البلاد، ليضمن بذلك إعادة انتخابه لولاية ثانية، وهي كما أسلفنا أمر ضروري لخططه المستقبلية على الصعيد الاقتصادي.

ورغم أن هيمنة الإنجيليين على السياسة الأمريكية ليست بالشيء الجديد، وتعود جذورها لبدايات الدولة الأمريكية وربما قبلها، وكانت المحرك الرئيس لما يسمى بالصحوة (الدينية) الأولى في القرن الثامن عشر، والثانية في القرن التاسع عشر، حيث تعاظم نفوذهم وسيطروا بشكل لافت على تشكيل وصياغة الثقافة والعقيدة الدينية في أمريكا، إلى درجة أن مؤرخ الديانة المسيحية الأمريكي، مارتن مارتي، سمى تلك الفترة بـ"الإمبراطورية الإنجيلية".

إلا أن حكومة ترامب تتألف على غير العادة من عدد لا بأس به من النصارى الإنجيليين، وأصبح حضورهم لافتاً للنظر؛ مثل وزير الخارجية مايك بومبيو، الذي أثار ضجة واسعة في تصريحاته لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، الأسبوع الفائت، عندما كان في زيارة لـ"إسرائيل"، وأكد لقناة كريستيان برودكاستنغ نيتورك النصرانية المتزمتة أن دونالد ترامب قد جيء به لهذه الأرض ليكون النسخة الحديثة من الملكة إستر.

وعلق بومبيو قائلاً: "كنصراني من المؤكد أنني أعتقد أن ذلك ممكن".

يذكر أن الملكة إستر كانت متزوجة من إمبراطور فارسي أراد أن يبيد اليهود، واستطاعت تدبير خطة لإنقاذهم واستصدار عفو عنهم، ويبدو من صيغة سؤال المحطة النصرانية أن هناك توجهاً لمقارنة ترامب بإستر، في إشارة إلى الموقف المتشدد الذي تتخذه إدارته من القضايا الإيرانية وتهديده المستمر للإيرانيين، وتعهده بحماية إسرائيل من خطرهم.

يبقى أن نشير إلى أن ترامب يتميز بحالة خاصة؛ وهي أنه لا يتمتع بتاريخ سياسي طويل مثل الذين سبقوه، لذلك فهو لا يكترث لما سيكتبه التاريخ عنه، ولن يكون كما الرؤساء الذين سبقوه، حيث كان الخروج من البيت الأبيض هو نهاية المطاف بالنسبة إليهم، لأن خروجه من الرئاسة سيكون بمنزلة نقطة انطلاق جديدة نحو آفاق تجارية أرحب وأوسع وأكبر.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة