التربية الأسرية على الحوار في عصر التواصل

تحديات العالم الرقمي وثورة التواصل تفرض على الأسرة تربية الأبناء على الحوار البناء للدفاع عن وجهات نظرهم وتمييز أوجه الخطأ والصواب

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/1XM94b
الثلاثاء، 05-10-2021 الساعة 11:42

‎تصنف البيئة الرقمية التي تتطور باستمرار بأنها بيئة تواصلية ونتاج ثورة الاتصال، وفي ظل مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي أصبح البشر كائنات تواصلية، وأصبح العالم غرفة واحدة، بعد أن كان من قبل مع البث التلفزيوني قد تحول إلى قرية واحدة، وهذه الثورة التواصلية لها انعكاساتها الأخلاقية والفكرية، وليس هذا موضوع مقالنا، فنحن هنا نركز على كيفية الاستفادة من إيجابية التواصل من خلال التربية على الحوار حتى لا تستهلك مواقع التواصل طاقات الأجيال في مجرد الترفيه الفارغ وتبادل محتويات موجهة فكرياً وسياسياً للتأثير على قناعاتها واتجاهاتهم.

تحديات العالم الرقمي وثورة التواصل تفرض على الأسرة تربية الأبناء على الحوار البناء للدفاع عن وجهات نظرهم وتمييز أوجه الخطأ والصواب في تصورات الآخرين، ومعرفة كيفية إقناع الآخرين بوجهات نظرنا، وهذه التربية لن تكون مجرد تربية نظرية، بل الأهم أن تكون تربية عملية مستمرة تبدأ أساساً بالتربية بالحوار كأسلوب في التعامل مع الأبناء، فإذا كان الوالدان لا يمارسان أسلوب الحوار في تربية الأبناء فسيكون من الصعب إكساب الأبناء قيمة ومهارة لم يُربوا عليها، ولهذا يجب أن يعتمد الوالدان أسلوب الحوار بصورة دائمة في التعامل مع الأبناء؛ حتى يتحول هذا الأسلوب إلى أسلوب حياة يتربى عليه الأبناء، ومن المهم تنظيم حوارات بين الأبناء، ولا سيما عند حدوث مشاجرات حقيقية، لأن تعلم الحوار وقت المشاجرات يعطي للحوار أهمية قوية كأداة من أدوات الدفاع عن النفس والمدافعة عن وجهة النظر بحماسة ورغبة عميقة، ويتم التعزيز الذاتي في حالة إجادة المرافعة والدفاع، ويحدث في نفس الوقت التقويم الذاتي في حالة الإخفاق، مع تأكيد أهمية تعليم الأبناء أن الغرض من الحوار ليس مجرد الانتصار لوجهات النظر، وهذا حق مشروع، ولكن أيضاً القدرة على الإقناع والتفاوض للوصول إلى حلول عادلة لجميع الأطراف، والدفاع عن الرأي بالحجة والدليل واحترام الرأي الآخر.

‎ في عصر ثورات التواصل فإن تربية الأبناء على التواصل الإيجابي في العالم الواقعي أو عبر مواقع التواصل الرقمية يكتسب أهمية كبيرة، فالدراسات العلمية تؤكد أن الأطفال في المنطقة العربية يتعرضون لمواقع التواصل لساعات طويلة تصل إلى عشر ساعات، مع تصفح الشبكة والتعرض لبقية وسائل الإعلام، وفي عالم مواقع التوصل لم يعد الحوار حكراً على النخب، فالجميع أصبح يشارك برأيه ويتبادل مع الآخرين الآراء التي تنال استحسانه، والمحتويات النصية أو الرقمية التي تتفق مع قناعاته وتوجهاته، والتربية على التواصل الفعّال والإيجابي في هذه البيئة الرقمية يستلزم تدريباً خاصاً وإعداداً تشارك فيه الأسرة والمدرسة ومراكز الاستشارات التربوية، ولا يكفي هذا التدريب دون تنمية ملكات التفكير الناقد وتعميق قيم الإيمان والهوية، وتوسيع المدارك والوعي بالشبهات التي تروج، والأنماط السلوكية التي يحاول البعض إشاعتها عبر مواقع التواصل وتطبيع الوعي معها، ومحاولات الإلهاء وتوجيه الاهتمامات نحو القضايا التافهة، ومحاولة تشويه القضايا العادلة والمدافعين عنها، وصناعة اتجاهات معادية لقيم الحرية والشورى والعدالة.

التربية على التواصل عبر مواقع التواصل يجب أن تشمل بعد الإعداد الفكري والتربوي تنمية القدرة عل اختيار المحتويات الهادفة والمناسبة لكل مقام، ومهارات المحادثات الفورية الفردية والجماعية، ومهارات توجيه الحوار من حوار تواصلي لمجرد التواصل إلى حوار توعوي وتنظيمي وقيادي وتنظيري، ومن المهم هنا تأكيد تنمية منظومة من الأخلاقيات للتواصل عبر مواقع التواصل، وأن تتحول الأخلاقيات إلى دستور أخلاقي يلتزم به المتواصل بصورة طوعية، ويتعرض من يخرج عن هذه الأخلاقيات للعتاب والتوبيخ التربوي الذي يساعد على معرفة الخطأ وتصحيحه.

Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة