"الانقلاب الأبيض" في العراق (17-30 تموز 1968)

ما يميز انقلاب 17 تموز 1968 عن بقية الانقلابات أنه كان أنقلاباً بدون سفك دماء وقد وصفه بعض الباحثين بـ"الانقلاب الأبيض".

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/gMzYDz
الاثنين، 29-07-2019 الساعة 22:23

منذ إسقاط النظام الملكي في العراق سنة 1958 انتهت الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة،  وبدأت الانقلابات العسكرية تتوالى في العراق، فلا يمكن تغيير أي حكومة في العراق بالطرق السلمية إلا عن طريق الانقلاب العسكري، وخلال فترة 10 سنوات نفذت أربعة انقلابات عسكرية في العراق؛ ففي 14 تموز  سنة 1958 كان انقلاب عبد الكريم قاسم على النظام الملكي، وفي سنة 1963 كان انقلاب عبد السلام عارف على نظام عبد الكريم قاسم، وفي سنة 1966 قتل عبد السلام بطريقة غامضة أثناء سقوط طائرته وهو في زيارة إلى جنوب العراق! وتولى السلطة من بعده شقيقه عبد الرحمن عارف ثم قام حزب البعث العربي الاشتراكي بالانقلاب على عبد الرحمن عارف وتم نفيه الى خارج العراق، وآخرها وخلال أقل من اسبوعين وتحديداً في 30 تموز 1968 حدث انقلاب ضد عبد الرزاق النايف ووزير الدفاع إبراهيم الداود . 

لكن ما يميز انقلاب 17 تموز 1968 عن بقية الانقلابات أنه كان انقلاباً بدون سفك دماء، وقد وصفه بعض الباحثين (بالانقلاب الأبيض). 

كيف جرى الانقلاب ومن هي أهم الشخصيات والقوات التي شاركت في الانقلاب؟ 

كانت حكومة عبد الرحمن عارف حكومة ضعيفة والطامعون بها كثر، سواء أحزاباً أو عسكراً أو شخصيات سياسية، وكان من أبرز  هؤلاء هو حزب البعث العربي الاشتراكي، وقد وجد الحزب بأن الفرصة مؤاتية له خصوصاً أنه أقنع عبد الرزاق النايف الذي كان مديراً للاستخبارات بأن يتعاون معهم، وفي حالة نجاح الانقلاب سيتولى هو تشكيل الحكومة. وبعض المصادر تشير إلى أن عبد الرزاق هو من طلب المشاركة في الانقلاب مقابل توليه رئاسة الوزراء فيما بعد، وكذلك تم إقناع عبد الرحمن الداود الذي كان يتولى قائد الحرس الجمهوري بأنه سينال منصب وزير الدفاع في حالة نجاح الانقلاب. وقد وافق الاثنان معاً على هذا العرض من قبل قيادة الحزب . 

أما القوات التي شاركت في الانقلاب فهي الحرس الجمهوري واللواء المدرع العاشر والذي كان في فترة تدريب قرب منطقة الفلوجة، وكما هو معلوم فإن القوات تخرج في شهر تموز للتدريب الصيفي والذي يطلق عليه في المصطلح العسكري (بالفرضية)، وهذا النوع من التدريب يستخدم فيه العتاد الحي على افتراض أن هناك معركة مع العدو الافتراضي. 

ففي صبيحة 17 تموز تحرك اللواء العاشر الى بغداد وطوق القصر، وكما ذكرنا دور إبراهيم الداود قائد الحرس الجمهوري كان متعاوناً مع الانقلاب، فأصبح دور الحرس الجمهوري دوراً سلبياً بل مشاركاً في الانقلاب. فوجد الرئيس عبد الرحمن عارف نفسه محاصراً في القصر، ودخل عليه الانقلابيون فاستسلم بالحال وطلبوا منه مغادرة العراق، وقد حجزت له طائرة عسكرية نقلته الى مدينة إسطنبول في تركيا، وانتهى دور الحكم العارفي كما كان يطلق عليه في العراق. أما أبرز الشخصيات المشاركة في الانقلاب فهم أحمد حسن البكر  وحردان التكريتي وصالح مهدي عماش وسعدون غيدان، وهؤلاء من العسكريين البعثيين، وصدام حسين وكريم الشيخلي وعبد الله سلوم السامرائي وصلاح عمر العلي فهؤلاء من الجناح المدني للحزب ...

وفي هذه الأثناء أعلن من خلال التلفزيون العراقي الانقلاب على حكومة عارف بقيادة حزب البعث، وإعلان تشكيل مجلس قيادة الثورة لقيادة العراق، ويكون مسؤولاً عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، كما أعلن عن اختيار أحمد حسن البكر رئيساً للجمهورية وصدام حسين نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة . 

بدأت الاعتقالات تتوالى ضد أعضاء حكومة عارف، وكان من أبرز المعتقلين هو طاهر يحيى رئيس الوزراء، وعبد العزيز العقيلي وزير الدفاع، وعبد الرحمن البزاز الذي كان مرشحاً للرئاسة بعد عبد السلام عارف سنة 1966، ويعتبر عبد الرحمن البزاز من أبرز الشخصيات المؤثرة في الساحة العراقية آنذاك، كما اعتقل العديد من القادة العسكريين والسياسيين بعد الانقلاب مباشرة. 

وفي اليوم الثاني من الانقلاب أعلن عن تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة عبد الرزاق النايف وكان أبرز أعضاء الحكومة هم: 

عبد الرزاق النايف رئيساً للوزراء 

طاهر الحياني وزيراً للخارجية 

إبراهيم الداود وزيراً للدفاع

محمود شيت خطاب وزيراً للمواصلات 

ولم يمضِ أسبوعان على حكومة عبد الرزاق النايف حتى تم الانقلاب عليها، وقد نفذ هذا الانقلاب عليهم صدام حسين وسعدون غيدان، الذي يعتبر الرجل الثاني في الدولة آنذاك، فنفى عبد الرزاق النايف إلى المغرب وإبراهيم الداود إلى خارج العراق بعدما تعاونوا معهم بالانقلاب على عبد الرحمن عارف الذي ائتمنهم على نفسه وعلى المؤسسة العسكرية في العراق، وقد خرجوا من هذا الانقلاب بخفي حنين.

بعد هذا الإجراء الأخير استلم حزب البعث السلطة كاملة في العراق، وبدأ أولاً بتصفية المتعاونين معه في الانقلاب على عارف، وثانياً بدأ بتصفية القوى السياسية التي كانت طامعة في السلطة ومعارضة للحكم العارفي، ومن أبرز هؤلاء الذين عمد إلى تصفيتهم الحزب الشيوعي العراقي، الذي كان من أبرز حلفاء عبد الكريم قاسم، وحركة الإخوان المسلمين في العراق، حتى أصدر المراقب العام للإخوان المسلمين عبد الكريم زيدان قراره الشهير بحل جماعة الإخوان في العراق. 

أما القيادات العسكرية فقد أقال الكثير منهم وأحالهم إلى التقاعد، وبدأ الحزب بالسيطرة الكاملة على جميع مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، وأصبح الحزب هو الحزب الواحد والوحيد الحاكم في العراق، ولا مكان لأي كيان سياسي آخر في العراق، سواء كان قومياً أو دينياً أو ليبرالياً. 

وهنا لا بد من الإشارة إلى دور الدعم الخارجي للحزب في تلك الفترة، وتأييد الانقلاب الذي نفذه الحزب، ومن أبرز هذه القوى الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت تتعامل وتنسق مع سفير العراق لديها آنذاك، وهو ناصر الحياني، الذي تقلد منصب وزير الخارجية مباشرة بعد الانقلاب. 

لكن بقي الانقلابيون يصفّي بعضهم بعضاً، فبعد تصفية عبد الرزاق النايف وإبراهيم الداود، ونفيهما إلى خارج العراق، عمدوا إلى تصفية حردان التكريتي بنفيه أيضاً إلى خارج العراق ومن ثم اغتياله في الكويت، وأيضاً تصفية صالح مهدي عماش، وأيضاً اغتيال حماد شهاب وزير الدفاع، وهكذا كانت التصفيات بين الانقلابيين حتى استقرت السلطة بيد صدام حسين...

لكن، من الجدير بالذكر أن سياسة حزب البعث في العراق كان لها الكثير من الإيجابيات التي يجب أن تذكر، وأهمها موقفه من القضية الفلسطينية، وقد شارك الجيش العراقي في حرب ١٩٧٣ بأكبر قوة عسكرية، وبما يعادل فيلقاً عسكرياً، مع سرب طائرات من القوة الجوية، وتعتبر القوة العسكرية العراقية ثالث قوة من حيث الحجم من القوات العربية التي شاركت في حرب ١٩٧٣ بعد مصر وسوريا، باعتبارهما خط التماس وأصحاب المعركة الأصليين، وبقي العراق داعماً قوياً للقضية الفلسطينية في فترة حكم البعث، كما كان لسياسة الحزب التنموية أثر واضح على الاقتصاد العراقي وعلى مستوى المعيشة للفرد العراقي، فأنشئت المصانع والمعامل، واهتم كثيراً بالزراعة وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي، وتطورت الصناعة في العراق من خلال فتح المصانع وتوفير المواد الأولية، واهتم الحزب بالتعليم التربوي والتعليم العالي؛ من خلال تبني سياسة مجانية التعليم، وفتح الجامعات، وإرسال البعثات إلى الخارج للدراسة.

أما عن السياسة النفطية للحزب فقد أمم النفط وطرد الشركات الأجنبية، وكان هذا القرار من أهم القرارات التي اتخذها الحزب في سياسته الداخلية والاقتصادية، كما اهتم ببناء جيش قوي من حيث العدد والعدة والتسليح الجيد والتدريب العالي المستوى للقوات المسلحة. 

وهكذا بقي حزب البعث على رأس السلطة في العراق برئاسة الرئيس الراحل أحمد حسن البكر إلى سنة 1979، حين استقال البكر من السلطة وتسلمها من بعده الرجل الأقوى في الدولة العراقية ونائبه الأول وهو الرئيس الأسبق صدام حسين، وبقي الحكم في العراق حكراً على البعث إلى أن احتلت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها العراق، تحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل التي كانت تدعيها أمريكا سنة 2003، وبهذا التاريخ ينتهي حكم البعث للعراق، الذي امتد زهاء 35 عاماً منذ عام 1968 إلى عام 2003، عاشها العراقيون بحلوها ومرها، ولكن يبقى- بما لا يختلف عليه اثنان- أن العراق في عهد حكم البعث كان بلداً له وزنه وثقله العربي والإقليمي، وكان حامياً للبوابة الشرقية للوطن العربي. 

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة