الأسلحة البيولوجية والقانون الدولي

تحريك أي قضايا يحتاج إلى إثبات حقيقة التصريحات المتبادلة بين الدول حول استخدام فيروس كورونا كسلاح بيولوجي بالأدلة، أو إثبات المسؤولية التقصيرية التي كان يمكن أن تتدارك انتشار الفيروس قبل وقوعه.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/X8xyab
الأربعاء، 15-04-2020 الساعة 11:09

رجع مصطلح الحرب البيولوجية ليثار من جديد بعد اجتياح جائحة كورونا وتبادل الاتهامات بين الدول الكبرى حول استخدام الوباء سلاحاً موجهاً ضد الدول التي انتشر بها، وأخرى تشير إلى أن انتشار الفيروس سببه فقدان السيطرة عليه أثناء القيام ببعض الأنشطة البحثية البيولوجية السلمية، وقد أثار هذا الأمر العديد من الأسئلة حول موقف القانون الدولي في حالة استخدام المواد البيولوجية كأسلحة موجهة، وموقفه من استخدامها للأغراض البحثية  السلمية، والجزاء المترتب على إساءة استخدامها.

الاتفاقيات الدولية والأسلحة البيولوجية

فبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى أُعلن عام 1925 عن بروتوكول جنيف الخاص بحظر استعمال الغازات الخانقة أو السامة، وكل ما شابهها من مواد سائلة أو معدات في الحرب، إلا أن الحظر لم يمنع إنتاج وتخزين ونقل هذه المواد، بل انحصر في استعمالها، مما أتاح للعديد من الدول استخدام المواد البيولوجية في حروبها، كان من ذلك ما قامت به اليابان ضد الصين في أربعينيات القرن العشرين، وما تلا ذلك من اتهامات للولايات المتحدة الأمريكية باستخدام الأسلحة البيولوجية في فيتنام وفي العديد من الدول الأخرى.

ولسد الثغرات التي تركها بروتوكول جنيف لعام 1925 أُبرمت اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة البكتريولوجية (البيولوجية) والتكسينية (السامة)، وتدمير تلك الأسلحة لعام 1972، التي وقع عليها وانضم لاحقاً 183 دولة، منها الصين وأمريكا وأغلب الدول الأوروبية، وتكونت من ديباجة وخمس عشرة مادة، وقد نصت الاتفاقية في مادتها الأولى: "تتعهد كل دولة من الدول الأطراف في هذه الاتفاقية بأن لا تعمد أبداً، في أي ظرف من الظروف، إلى استحداث أو إنتاج أو تخزين ما يلي، ولا اقتنائه أو حفظه على أي نحو آخر:

1. العوامل الجرثومية أو العوامل البيولوجية الأخرى، أو التكسينات أياً كان منشؤها أو أسلوب إنتاجها من الأنواع وبالكميات التي لا تكون موجهة لأغراض الوقاية أو الحماية أو الأغراض السلمية الأخرى.

2. الأسلحة أو المعدات أو وسائل الإيصال الموجهة لاستعمال تلك العوامل أو التكسينات في الأغراض العدائية أو المنازعات المسلحة".

وأكدت في مادتها الثامنة على ما تم الاتفاق عليه في إعلان جنيف لعام 1925، وقد نصت الاتفاقية في المادة السادسة على حق الدول الأطراف بتقديم شكوى إلى مجلس الأمن حول الخرق، متضمناً الأدلة التي تثبت حدوث خرق، وعلى مجلس الأمن أن يجري تحقيقاً وفق أحكام ميثاق الأمم المتحدة، ويتخذ الإجراء المناسب إزاء ذلك، ودعت المعاهدة في المادة العاشرة الدول الأطراف إلى التعاون في مجال الأبحاث السلمية والبيولوجية.

إلا أن ما يؤخذ على الاتفاقية أنها لم تعرف الأسلحة البيولوجية أو خصائصها، ولم تحدد معايير استخدام العوامل البيولوجية لأغراض سلمية وبحثية، وتمييزها عن الاستخدام العسكري، وهذا يشكل خطراً، إذ إن من السهولة تحويل الاستخدام السلمي والبحثي للعوامل البيولوجية إلى عسكري، بل دعت إلى عقد مؤتمرات لمتابعة سير أعمال المعاهدة، وقد عُقدت سبع مؤتمرات للمراجعة العامة، إلا أن اعتراض الولايات المتحدة الأمريكية على توصيات المؤتمرات بخصوص تشكيل هيئة خاصة بالرقابة على سير المعاهدة، قلل من إمكانية تطبيق بنود الاتفاقية، لفقدانها لجهاز رقابي خاص .

مسؤولية الدول والرؤساء عن انتشار الوباء

تبرز المسؤولية الدولية على الدول التي امتنعت عن فعل كان قد أوجبه القانون كحالة الإهمال في أخذ الحيطة، أو تبليغ الدول بانتشار فيروس معين، كما أشارت لذلك النيويورك تايمز في معرفة الرئيس ترامب بأمر الفيروس منذ بداية عام 2020، وعدم تعامل إدارته مع الأمر بجدية، أو تلك التي ارتكبت فعلاً نهى عنه القانون؛ كحالة تعمد تفشي الوباء أو استخدامه سلاحاً موجهاً.

ففي الحالة الأولى تقع المسؤولية المدنية على الدولة وفق نظرية المخاطر، أو ما يعرف باسم "نظرية المسؤولية الدولية المطلقة"، التي ترى أن من يستغل مشروعاً أو منشأة ويصاحب هذا الاستغلال مخاطر استثنائية عليه أن يتحمل مسؤولية ما يصيب الغير من ضرر، ولا يكون هذا بحالة تقصد الضرر بحق الغير، وقد أخذ القضاء الدولي بهذه النظرية في بعض أحكامه؛ منها قضية مضيق كورفر بين بريطانيا وألبانيا (1947-1949)، ومنها بقضية التجارب النووية الفرنسية في الهواء وفي عمق المحيط الهادي (1973)، وأثيرت هاتان القضيتان في محكمة العدل الدولية، وتلتزم هنا الدولة أن تقدم تعويضاً مادياً أو معنوياً إلى الأطراف الأخرى المتضررة، وتكون المحكمة المختصة برفع دعوى النزاع وإثبات الادلة هي محكمة العدل الدولية.

أما إذا كان انتشار الفيروس وما نتج عنه نتيجة لقصد جنائي من طرف معين، سواء كان رئيس دولة أو أي جهة أخرى فيقع على الجهة الفاعلة المسؤولية الجنائية الدولية، وتطبق أحكام نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية كجريمة ضد الإنسانية، خصوصاً أن النظام لم يحدد تطبيق هذه الجريمة في أوقات الحرب فقط، بل صمت عن ذلك ليشمل أوقات السلم أيضاً، ومن الجدير بالذكر أن المسؤولية الجنائية الدولية تطبق على الأفراد مهما بلغت حصاناتهم ومناصبهم من أهمية، وليس على الدول، بناء على ما نصت عليه المادة الأولى والخامسة عشرة من النظام الأساسي، وتكون محكمة الاختصاص في النظر بمثل هذه الدعوى المحكمة الجنائية الدولية.

ويبقى أن تحريك هذه القضايا يحتاج إلى إثبات حقيقة التصريحات المتبادلة بين الدول حول استخدام فيروس كورونا كسلاح بيولوجي بالأدلة، أو إثبات المسؤولية التقصيرية على الشخصيات التي كان يمكن أن تتدارك انتشار الفيروس قبل وقوعه، مروراً بعدم الاعتراض عليه من قبل مجلس الأمن.

Linkedin
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة