استهداف السوريين بين العنصرية والمناكفات السياسية

خطورة الخطاب العنصري أنه يعتبر جميع الرعايا العرب في تركيا سوريين، وخطره الأكبر تهديده للسِّلم المجتمعي والأمن بتركيا.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/GpX9jN
الخميس، 11-07-2019 الساعة 11:37

منذ بداية الأزمة السورية عام 2011 وإلى يومنا هذا، ثمة اتفاق داخل تركيا على التعاطي الإنساني مع اللاجئين السوريين، رغم الاختلاف حول الموقف السياسي من الأزمة.

فبينما ذهب حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى أقصى حد في الانخراط الفعلي والتدخل الميداني في المسألة السورية، معتبراً شمالي سوريا منطقة حساسة ذات تأثير مباشر على الأمن الاستراتيجي لتركيا، رجحت أحزاب المعارضة التعاطي السلبي مع القضية السورية باعتبار سوريا، كما بقية دول الشرق الأوسط، مستنقعاً للخلافات الدولية والإقليمية، يجب النأي بتركيا عن الدخول في أتونه، على غرار المقاربة السياسية الكلاسيكية لتركيا القديمة. 

لكن رغم الاختلاف في وجهات النظر حول الموقف السياسي، بقي التعاطي الإنساني تجاه اللاجئين السوريين محل إجماع شعبي ورسمي. 

من هنا لا يمكن الحديث عن وجود خطاب كراهية وعنصرية عام أو ممنهج ضد السوريين، حيث الأكثرية القاهرة من الشعب التركي تقف ضده. لكن بالوقت نفسه لا يمكن إنكار وجود زمرة قليلة تتبنى خطاب العداء والكراهية، وهي رغم قلة عددها، فإنها الأعلى صوتاً والأكثر جلبة وضجيجاً، والأقدر على الحشد، خصوصاً بين صفوف الشباب والعاطلين عن العمل، والمؤلدجين تلقائياً ضد الرئيس رجب طيب أردوغان وجميع إجراءات حكومته. 

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الحديث عن أخطاء أو قصور في إدارة الملف السوري لا ينفي ما قدمته تركيا، حكومة وشعباً، للسوريين من معروف وخدمات يصعب حصرها، كما أن ما فعلته تركيا لا ينفي وجود بعض الأخطاء على صعيد إدارة الملف.

العنصرية وخطاب الكراهية يتلقيان الدعم من بعض الأطراف الدولية  

لا شك في أن ارتفاع منسوب خطاب الكراهية والتحريض على الآخر، الأجنبي أو المخالف، في الانتماء الديني أو العرقي أو المذهبي، ليس محصوراً في نطاق تركيا وحسب، بل إنه تحول إلى ظاهرة اجتماعية وسياسية مقلقة، باتت تهدد الأمن والسلم المدني للدول، وتأتي دول الاتحاد الأوربي في مقدمة الدول التي تعاني هذه الظاهرة الخطيرة. 

وقد شكَّل وصول دونالد ترامب، بخطابه العنصري التحريضي، إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة، عامل دفع وتحفيز إضافي على بروز تلك الظاهرة وشيوعها. 

الأخطر من ذلك أن الشعوب الأوروبية التي باتت تضيق ذرعاً باللاجئين والأجانب، هي التي منحت الحركات والأحزاب العنصرية مكافأة سياسية بزيادة عدد أصواتها، وفتحت أمامها الطريق، وأعطتها فرصة دخول البرلمانات، والمشاركة في صنع السياسات والقرارات بتلك الدول. 

ما يدعو للقلق هو أن العنصرية وخطاب الكراهية الذي يستهدف السوريين اليوم، لا بد أن يتعدياهم إلى كل ما هو مخالف، سواء في الرأي أو العرق أو المذهب وحتى الانتماء المناطقي. وتركيا ليست ببعيدة عن تلك الاستقطابات، فحتى عهد ما قبل حزب العدالة والتنمية، لم يكن بمقدور المواطن التركي في بعض مناطق تركيا البوح بثقافته، ولا الحديث بلغته الأم في الأماكن العامة، وما محنة المحجبات ببعيدة. 

في تسعينيات القرن الماضي، كانت أخت جارتنا تدرس في السنة الأخيرة بكلية طب جراح باشا في جامعة إسطنبول، ولم يبقَ على تخرجها سوى تدريبين، أي مدة أربعة أشهر فقط، رغم ذلك أصرَّت عمادة الكلية يومها على إجبارها على خلع حجابها أو الفصل من الجامعة. رفضت الفتاة نزع حجابها، فاضطرت إلى الهجرة إلى كندا، لتعيش هناك بعيدة عن وطنها حتى يومنا هذا. 

في تلك الأيام كان من الطبيعي أن يعترضك ويقطع حديثك أحدهم في الحافلات والأماكن العامة ويأمرك بالتكلم باللغة التركية، قائلاً: "هنا تركيا، والحديث باللغة التركية فقط!".

ولعل من أهم منجزات حزب العدالة والتنمية نجاحه في مجال الحريات العامة والسلم الاجتماعي. صحيح أن هناك حملات ظالمة تتهمه بالتضييق على الصحافة وحرية الرأي والتعبير، لكن جميع تلك الاتهامات تندرج في خانة أساليب الضغط والابتزاز التي يمارسها الغربيون ضد من لا يخضع لهم، ويسير وفقاً لبوصلتهم. 

من المؤسف حقاً أن ينزلق بعض السياسيين نحو استخدام ورقة السوريين من أجل تحقيق مكاسب سياسية، حيث يقود حملة الكراهية ضد السوريين، نائبان برلمانيان، سبق أن حاولا، بدعم من الكيان الموازي، شق صف حزب الحركة القومية، وعندما فشلت محاولتهم، تحولوا إلى مزيد من العدوانية والتطرف. 

عدد من الكُتاب الأتراك تحدثوا عن علاقة الكيان الموازي المباشرة بحملة العنصرية ضد السوريين، وغنيٌّ عن التعريف ارتباط هذا الكيان الارهابي بدوائر الاستخبارات الأجنبية. من هنا تتضح معالم الأصابع الخارجية في هذا الملف الحساس. 

خطورة الخطاب العنصري أنه يعتبر جميع الرعايا العرب في تركيا سوريين، وخطره الأكبر هو تهديده للسلم المجتمعي والامن بتركيا. 

حول أسباب الموقف السلبي من السوريين: 

هناك أسباب عديدة، منها ما يتعلق بظروف اللجوء السوري، وارتفاع عدد اللاجئين بحيث أصبحوا يشكلون ما يقارب 4.6% من عدد سكان تركيا، وطول أمد اللجوء السوري، حيث بات يقارب العقد من الزمن، ومنها اختلاف الثقافات والعادات والتقاليد، ومنها الأزمة الاقتصادية التي تمر بها تركيا، ومنها العمليات العسكرية التي لا بد من أن يقع خلالها ضحايا من الجنود الأتراك. لكن أخطر تلك الأسباب على الإطلاق، هو الصورة النمطية التي يحاول البعض ترسيخها في ذهن المواطن التركي، من قبيل (أن السوريين بتركيا متورطون بشكل كبير في الجرائم، ويسلبون الأتراك أعمالهم، لأنهم يشكلون يداً عاملة رخيصة..)، إلى ذلك من مفردات الخطاب العنصري والتحريض السياسي، الذي يفتقر إلى الصحة والموضوعية. 

علَّه من المفيد إجمال أسباب هذه الظاهرة تحت عناوين رئيسة، منها:

العوامل السياسية 

أشرنا أعلاه إلى اتجاه بعض أطراف المعارضة نحو استخدام ورقة السوريين في التجاذبات السياسية الداخلية. لكن الأخطر من ذلك هو ما شاهدناه عشية انتخابات إسطنبول المكررة في 23 يونيو الماضي، من تدخُّل خارجي سافر باستخدام ورقة السوريين، سواء من خلال الحملات التضليلية للناخب التركي، أو التحريض على الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية بين السوريين، حيث البصمات الخارجية كانت واضحة بجلاء. 

إن انتهاج تركيا سياسات وطنية مستقلة، من خلال اتباع استراتيجية سياسة التوازنات متعددة الأبعاد والاتجاهات، سوف يجعلها دائماً في مواجهة قوى كثيرة، خصوصاً الأمريكية والأوروبية التي اعتادت تركيا التي ﻻ تقول "لا"، وليس تركيا التي تسعى لتحقيق مصالحها واستقلاليتها، خصوصاً في مجال التصنيع الحربي والاكتفاء الذاتي، حيث باتت تركيا تعتمد بنسبة 80% على أسلحتها محلية الصنع في حربها على الإرهاب. 

العوامل الاقتصادية 

هناك حاجة ملحّة لدراسة تأثير وجود السوريين على الاقتصاد التركي إيجاباً أو سلباً. لكن غالبية الدراسات الأكاديمية، وتقارير غرف الصناعة والتجارة وبعض جمعيات الأعمال، تشير إلى أن إسهامات السوريين في قطاع العمل التركي إيجابية وليست سلبية. 

قد يحتجُّ البعض بمسألة البطالة، وأن السوريين أسهموا في تفاقمها، لكن الأرقام والإحصاءات تكذب هذا الادعاء، حيث معدل نسبة البطالة عام 2009 بلغ 14% وفي عام 2010 نزل إلى 11.9%، حتى في 2015 العام الذي اجتاح فيه الروس مدينة حلب، وشهد موجة نزوح هي الأكبر، كان معدل البطالة 9.9% ، في حين وصل في العام الماضي (2018) إلى 11%، أي إلى مستوى أقل عما كان عليه قبل نزوح السوريين إلى تركيا، وهذا يدحض ادعاء البعض تسبُّب السوريين في فقدان أعمالهم.
عكس ذلك، فإن العمالة السورية المدربة والجاهزة سدت ثغرة وفراغاً كانت سوق العمل التركية بأمسّ الحاجة لسدهما، حيث كان هناك نقص كبير في العمالة المتوسطة سدَّه السوريون. 

العوامل الاجتماعية 

حرصت بعض القوى على تضخيم تأثير القادمين السوريين على النسيج الاجتماعي التركي، خصوصاً فيما يتعلق بالجانب الذي يخص النساء تحديداً، من توجُّه الرجال الأتراك إلى الزواج بالنساء السوريات، وغير ذلك من المواضيع الحساسة التي تؤرق الاستقرار العائلي. لكن الإحصاءات تدل بوضوح على انغلاق السوريين على أنفسهم اجتماعياً وحتى اقتصادياً. 

الإصرار والعناد اللذان يُظهرهما بعض السوريين ببعض العادات التي تستفز جيرانهم الأتراك وتستجلب غضبهم، مثل السهر الطويل ورفع الصوت بالضحك العالي والضجيج، وتورُّط بعض الشباب السوري في أعمال مخلَّة بالأمن، وغير ذلك من التصرفات غير اللائقة التي تُحسب على مجموع السوريين، وليس على مرتكبيها فقط. 

طبعاً من الصعوبة بمكان، الحديث باتجاه واحد عن كتلة متجانسة، لأن السوريين في تركيا ينتمون إلى شرائح وطبقات اجتماعية مختلفة ومتفاوتة، ومن ثم يحتاج الأمر دراسات مختصة ومفصلة، لا يتسع لها المجال هنا. 

مسؤوليات "الدياسبورا" السورية 

لم ينجح السوريون رغم ضخامة عددهم، والظروف المتاحة، بل التشجيع من طرف السلطات التركية، في تشكيل "دياسبورا" سورية ذات مؤسسات تعمل بطرقة منظمة. 

كثيرٌ عدد الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني التي أسسها السوريون، لكن غياب التعاون والتنسيق جعل دورها في عملية الإصلاح الجماعي محدوداً جداً. على الرغم من المسؤوليات الكبيرة التي تقع على عاتقها. 

فقد كانت مساهمتها محدودة للغاية في رفع مستوى الوعي العام لدى السوريين، ووضعهم أمام مسؤولياتهم حيال المشاكل والمخاطر المستقبلية المحتملة، والعمل على معالجة بعض السلوكيات المستفزة للمجتمع التركي. 

من الواجب على المؤسسات السياسية المعترف بها رسمياً، ائتلافاً وحكومة مؤقتة، الاضطلاع بمسؤولية تنظيم عملية التواصل مع الجانب الرسمي التركي، وليس ترك الأمر لمنظمات المجتمع المدني الكثيرة والمتفرقة، التي لا يجمعها سقف واحد. 

حالياً في ظل غياب مؤسسة أو طرف سوري قادر على الوصول والتواصل مع مختلف الشرائح السورية الموجودة على الأراضي التركية، ينبغي أن يكون هناك عمل جماعي منسق بين مختلف المؤسسات يحمل رؤية موحدة وأهدافاً واضحة، ويعمل بالتنسيق مع الجانب التركي، الذي يمكن أن يقدم له تسهيلات كثيرة، من أجل مسح آثار الصورة النمطية التي يحاول أصحاب الخطاب العنصري ترسيخها في الأذهان. 

هناك مسؤوليات شخصية على السوريين كأفراد، تشمل زيادة مستوى الوعي والتواصل الإيجابي مع المجتمع التركي، وإعطاء صورة إيجابية عن الإنسان السوري، وبقدر الإمكان التزام العادات والتقاليد التركية، وعدم التناقض معها بشكل صارخ. 

خلاصة القول .. 

دون شك، هناك أسباب وظروف وعوامل موضوعية أسهمت إلى حد كبير في دفع قضية اللاجئين السوريين إلى السطح مرة أخرى. لكن العامل الأبرز هو حرص بعض القوى داخل تركيا وخارجها على استخدام ورقة السوريين كخاصرة رخوة، يمكن من خلالها النيل من الرئيس أردوغان وحكومته.

المصدر: وكالة "الأناضول"
Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة